تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٧ - سورة يس(٣٦) آية ٣٥
أنهار العلوم، و لا يؤثر فيه شيء من الآيات و الاخبار، و لا يرقّقه بالتليين نكتة من الحكم و المواعظ، و هو قلوب اكثر أهل الدنيا و عامة الخلق، و منها ما هي أشد قسوة و أصلب، و هي القلوب التي في الكدورة و الصلابة كالحديد البارد، لا يؤثر فيه شيء من النصيحة و التعليم للتليين و لا الزجر و لا الضرب للانقياد و الطاعة، الا القتل و العذاب بنار الجحيم، و هكذا الحديد يتعصى عن قبول الطرق و طاعة الحداد، فيستحق بذلك لدخول النار و تليينها بإذن اللّه، فعند ذلك يقبل كل طارق يطرق منه، و هاهنا أسرار اخر لا يمكن التصريح بها.
ثم تأمل و تدبر كيف ضرب اللّه مثلا لروح الإنسان و قلبه بجنات جعل فيها من كل الثمرات من نخيل العلوم و أعناب المعارف، لكونه مخلوقا في أحسن تقويم مستعدا لجميع الكمالات و الكرامات، قابلا لجميع الفضائل و جملة الشمائل المحسنات، مكرما بعلم جميع الأسماء و الصفات، منورا بأنوار التجليات، الحاصلة له في مظاهرها العقلية و الخيالية و الحسية، من عالم الصورة و المعنى و الشهادة و الغيب، كما في قوله تعالى: أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ [٢/ ٢٦٦].
و في القرآن آيات كثيرة دالة على تمثيل ما يصل اليه الإنسان من ثمرات عقائد الايمان، و نتائج اكتساب العلم و العرفان في الاخرة عند رفع الحجاب بالجنات و الأنهار و الأشجار و الحور العين و الصور الحسان، و غيرها من الأمثال التي لا يعلمها أحد من الخلق الا الراسخون في العلم، كما قال: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [٢٩/ ٤٣]. و قوله:
أَ فَلا يَشْكُرُونَ اشارة الى الحث و الترغيب الى معرفة هذه الأمثال و النعماء الالهية، و وجه