تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٨ - مكاشفة قرآنية
ذكر اللّه-.
و لا يعلم المسكين المسخّر للشيطان المسحور بسحر الدنيا، أن الشيطان اللعين سخر عقله و استخدمه، و جعله رهين الشهوات و عرضة البليات و الآفات و صيره دائما مشعوفا بتحصيل الأسباب و طلب المناصب و المهمات و جمع الذخائر و الأموال، و مشغولا بالسعي و الكد و التعب و القيل و القال، و معارضة الاعداء و الحسّاد، و المجادلة مع الخصماء و الأنداد، و ارتكاب المخاطر و الأهوال، و قطع المفاوز و البوادي البعيدة، و ركوب البحار المهلكة، حتى يهلكه في أىّ واد أراد، و يجعله جسرا يعبر به أهل الشهوات في طلب المراد و طريقا الى جهنم و بئس المهاد.
و من نظر بعين الحقيقة يعلم أن لا حاصل له في هذا المحن الشديدة و لا طائل تحت هذه المساعي الكثيرة، و لا فيما يتعلق به الا انه صار بحسب التقدير وسيلة لان ينتظم أحوال شهوات جماعة ارتبطت شهواتهم بسعي هذا الأحمق السفيه، و انتظمت أرزاقهم بكده و ارتباطه، فعلى التحقيق هو من جملة خدام القوى الشهوية و الغضبية لهذه المسميات بالأهل و العبيد، و الخدم و الجنود، لا أنهم عبيده و خدمه و جنوده، الا أن هذا الأحمق و كثير من الحمقى- الذين عقولهم في هذه المرتبة- يزعمون أن أمثالهم و من هو في مرتبتهم مخاديم و المتعلقون بهم أتباعهم و جنودهم.
و لما كان هذا من الاغلاط الفاحشة الشايعة بين الأنام أراد اللّه ان يكشف عنه و أزاحه عن الأوهام فقال: «و هم لهم جند محضرون» و سبب ذلك أن هذا العالم عالم الانتكاس و الانعكاس، يرى فيه الخادم مخدوما و الفقير غنيا، و النار نورا و الظل حرورا، و القبيح حسنا، و الحسن قبيحا، و الموت حيوة و الحيوة مماتا، و الذلة لذة، و الناظرون بعين الشهود و المعرفة يرون بواطن الأمور و