تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٠ - الاشارة الرابعة
آمنوا به و لم يطالبوه بالبرهان، و منهم من قال: «نشدتك باللّه أبعثك اللّه رسولا»؟
فكان يقول: «نعم» فيصدق.
و هذا ايمان العامة، و هذا بمنزلة تصديق الصبى والده في أن حضور المكتب خير من حضور الملعب مع أنه لا يدرى وجه كونه خيرا، و اما المعرفة بالبرهان فهو أن يعرف وجه فساد القياس الاول بفساد احدى مقدمتيه، و ان كانت الاخرى صحيحة، فان قوله: «النقد خير من النسية» محل التلبس، فانه لو كانت بين النقد و النسية مماثلة في القدر و المقصود فالنقد خير من النسية و الا فلا.
و أما القياس الثاني- و هو أكثر فسادا من الاول لان كلا أصليه باطل، أما قوله: «اليقين خير من الشك» انما يصح في صورة التساوي و الا فلا، أو لا ترى أن التاجر في تعبه على يقين و في ربحه على شك، و مع ذلك يترك الراحة اليقينية طلبا للربح المشكوك فيه، و كذا المتفقه في اجتهاده على يقين و في إدراكه رتبة العلم على شك، و لهذا أمثلة كثيرة.
و أما أصله الاخر و هو: «ان الاخرة شك» فهو ايضا خطاء، بل ذلك يقين عند المؤمنين، و ليقينه مدركان:
أحدهما الايمان و التصديق تقليدا للأنبياء و الأولياء و ذلك ايضا يزيل الجهل و الغرور و هو مدرك عوام أهل الإسلام، و أكثر الخلق اطمأنوا به كما تطمئن نفوس المرضى الى تصديق قول الأطباء الحذاق، و هذا القدر من الايمان كاف لجملة الخلق متى لم تتغير فطرتهم الاصلية، كما لاحد صنفي الكفار من المنافقين الأشرار.
و القرآن كما يشتمل على البراهين العقلية التي يكمل بها العلماء الأحياء بالفعل- و هم أهل البرهان و الكشف- كذا يشتمل على ما ينتفع ٣٧ به من كان معتقدا قول الأنبياء و الأولياء سلام اللّه عليهم بعد السماع منهم، و هم أهل الحيوة