تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٦ - الاشارة الثالثة
قابلة للتقديس، فعالة في الأجسام بالالة و مستعملة للآلات، و متممة للأجسام الحيوانية و النباتية الى وقت معلوم، ثم انها تاركة لها و مفارقة إياها و راجعة الى عنصرها و معدنها و مبدئها و معادها كما كانت بديّا، امّا بربح و غبطة و سرور أو بندامة و خسران و حسرة، اما مشرقة ناضرة الى ربها ناظرة، أو مظلمة مكدرة منكوسة معلقة معذبة لقوله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ* فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [٧/ ٣٠] و قوله: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ [٢١/ ١٠٤] و قال سبحانه: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [٢٣/ ١١٥].
و كفى بهذا أيها الأخ المسكين زجرا و وعيدا و توبيخا و تهديدا، فتذكر الموت و مفارقة الروح ان كنت من أهل الذكر و الانذار متنبها من نوم الغفلة و منبعثا من قبر الجهالة حيّا بروح المعرفة، و أعيذك أن تكون من الذين ذمهم اللّه بقوله: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ [٧/ ١٧٩].
و لما تبين ان أكثر امور الإنسان مثنوية متضادة من جهة انه جملة مجموعة من جوهرين متبائنين حصلا من اقليمين، صار لكل منهما حيوة يتوقف بقائها على أغذية و أشربة مخصوصة، و لكل منهما قنية، و صارت القنية نوعين اثنين- جسمانية كالمال و متاع الدنيا، و روحانية كالعلم و الدين- و انما معدن العلم و الدين هو الذكر الحكيم و القرآن المبين، و لهذا قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ* لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا [٣٦/ ٦٩] اي بالحياة الروحانية الاخروية و كما ان بالمال يتمكن الإنسان من تناول اللذات- من الاكل و الشرب في الحيوة الدنيا- فهكذا بقوة العلم و اليقين يصل الى الاغذية و الاشربة الروحانية و بالعلم يضيء النفوس و سرة و يكمل و يصح، كما أن بالأكل و الشرب ينمى