تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٦ - تقسيم استكشافى
التفكر في عواقب الأمور و النظر في مقدماتها، و يطلع على أسرار الخيرات و الطاعات، و ينكشف له بنور البصيرة جهة الخيرية فيها، فيحكم عقله بأنه لا بد من فعلها و ترك أضدادها من المعاصي، فيدعوه الى العمل الخير و ينهى نفسه عن العمل الشر، فينظر الملك الهادي و المعلم للحقائق الى قلبه- اي نفسه الناطقة فيجده طيّبا بجوهره، طاهرا بتقواه، مستنيرا بضياء العقل، فأفاض عليه أنوار المعرفة و الهدى، و أيّده بجنود لا ترى، و يهديه الى خيرات اخرى، و الهامات تترى، حتى ينجر الخير الى الخير و يحشر النور الى النور.
و في مثل هذه اللطيفة الربانية يشرق نور المصباح من مشكوة الربوبية حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي، الذي هو «أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء» و لا يؤثر فيه شيء من مكائد الشيطان، بل يقف على على باب قلبه و يوحي زخرف القول غرورا، و هو لا يلتفت الى مكره و يتوجه الى اللّه و ذكره، و الى مثله الاشارة في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [٧- ٢٠١].
و ثانيها: قلب مخذول مشحون بالهوى، و مقهور الشهوات، مفتوح عليه أبواب الشياطين، مغلق عليه أبواب الملائكة، و مبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى و يحبس فيه صورة من الشهوة، فينظر القلب الى حاكم العقل ليستفتى منه، و هو قد ألف خدمة الهوى فآنس به، و استمر على مساعدة الهوى و استنباط وجوه الحيل في جواب فتواه، فيشير الى قوله، فينشرح الصدر بالهوى، و ينبسط فيه ظلماته لانحباس نور العلم عنه، و انقهار جند العقل عن مدافعة الوهم، فيقوى سلطان الشيطان لاتّساع مكانه بسبب انتشار الهوى، فيقبل عليه بالتزيين و الغرور و الأماني، و يوحى بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطنة البرهان على خوف القيامة، و يحجب نور الايمان بالوعد و الوعيد،