تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٠ - سورة يس(٣٦) آية ١٦
للهداية، لان صفة النبوة و الولاية أمر باطني و نور عقلي يحصل من اللّه تعالى و يقذف منه في قلب من يشاء من عباده و أوليائه، و إذا تنور الباطن بذلك النور خرج عمّا كان عليه و انقلب نفسه عقلا مستفادا، و ناره نورا مضيئا في المعاد.
و في القرآن آيات كثيرة و إشارات بليغة و تلميحات لطيفة دالة على أن أرواح المؤمنين مخالفة في الحقيقة لنفوس الكفرة و المنافقين، و على أن أرواح الأنبياء جواهرها مخالفة لأرواح غيرهم و أن روح خاتم الأنبياء- عليه و آله الصلوة و السلام من الملك الأعلى- فوق الجميع.
و لا يتوهمن أن قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [١٨/ ١١٠] ينافي ما ادعيناه من مخالفة حقيقة الرسول صلى اللّه عليه و آله لعامة الناس، لما دريت أن الاشتراك و المماثلة بحسب البشرية التي هي متّفقة المعنى بين الناس، و المخالفة بحسب الباطن و مقام العندية، و على هذين المقامين يتوزع كل ما ورد في الاتفاق و الاختلاف له مع عامة العباد.
فكل ما كان من قبيل قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [١٨/ ١١٠] كان المراد به الاشارة الى مقام البشرية و النزول في هذه الدار، و كذلك قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [٦/ ٥٠] وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ [٧/ ١٨٨] و قوله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [١٧/ ٩٣] و قوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [٦٢/ ٢] و قوله:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [٩/ ١٢٨] و
قوله صلى اللّه عليه و آله: «اني ابن امرأة كانت تأكل القديد» [١].
و كل ما كان من قبيل قوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [٤/ ٨٠]
[١] ابن ماجة: كتاب الاطعمة، باب القديد ٢/ ١١٠١.