تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٣ - سورة يس(٣٦) آية ٣٠
لقصور نظره و همته عن ادراك ما عداه و التشوق اليه، ثم يظهر بعده لذة الزينة و لبس الثياب و ركوب الدواب فيستحقر منها اللعب، ثم يظهر بعده لذة الوقاع و شهوة النساء فيترك بها جميع ما قبله في الوصول اليها، ثم يظهر بعد هذه الأمور لذة الرياسة و العلو و التفاخر و التكاثر، و هي آخر درجات لذات هذه الدنيا و أعلاها و أقواها، و آخر ما يخرج عن رؤوس السالكين الى اللّه.
و للاشارة الى هذه المراتب في اللذات قال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ- الاية [٥٧/ ٢٠] ثم يظهر بعد هذه غريزة اخرى يدرك بها معرفة اللّه تعالى و معرفة صفاته و أفعاله، فيستحقر معها جميع ما قبلها، فكل متأخر فهو أقوى، و هذا هو الأخير إذ يظهر حب اللعب في سن الصبى و حب النساء و الزينة في سن البلوغ الحيواني و حب الرئاسة و العلو و التكاثر في سن العشرين، و حب العلوم الحقيقية في قرب سن الأربعين- و هي الغاية العليا و مرتبة رجال اللّه هذه المرتبة-.
و الناس كلهم بالقياس الى هؤلاء في منزل واحد هي الدنيا و محبة ما فيها، و كما أن الصبيان يضحكون عمن يترك اللعب و يشتغل بملاعبة النساء و طلب الرئاسة و يستهزئون بهم، فكذلك الرؤساء و المتصدرون في المجالس و المتقلدون في المناصب يستهزئون بمن ترك الدنيا و زينتها و رفعتها، و اشتغل بمعرفة اللّه و استهتر بذكر اللّه، و العارفون باللّه يقولون: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ [١١/ ٣٨].
و لهذا ذكر بعض أصحاب القلوب: «ان الإنسان إذا بلغ مرتبته في العلم باللّه و محبته بذكر صفاته و أفعاله الغاية العليا، رماه الناس بالحجارة» اى يخرج كلامه عن حد عقولهم، فيرون ما يقوله جنونا.
فقصد العارفين كلهم لذة معرفة اللّه تعالى و وصله و لقائه فقط، فهي قرة أعينهم التي