تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٤ - سورة يس(٣٦) آية ٣١
لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، و هي التي لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و إذا حصلت لهم لذة معرفة اللّه و مطالعة جمال الحضرة الربوبية و النظر الى أسرار الأمور الالهية يضمحل منهم الرسوم و ينقطع عنهم الهموم الى غير طلب حبيبهم، فليس لهم عند ذلك التشوق الى شيء سوى الحق، سواء كان من باب الدرهم و الدينار، أم من باب الأراضي و العقار، أم من باب الترفّع و الافتخار، الذي هو أجل لذات هذه الدار.
و الناس إذا شاهدوا منهم ما يخالف أطوارهم و أفعالهم من طلب الخمول و الانزواء و الاستتار، و ترك التبسّط و التزين و الاشتهار، يعدونه اما من السحر و المكر و اما من السفه و العبث، فهم اما يعاندونه او يستهزئون به اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ لان نظام هذا العالم و تعميره لا يتصور الا من المكبّين على الحسيات، الهالكين كالفراش في نيران الشهوات، المعرضين كالخفافيش عن أنوار الحكم و العقليات، الجاحدين كالكمه الأضاليل لا لو ان المعارف و اليقينيات، المنكرين كالعنين للذات النفوس العاليات و كراماتهم و العقول القادسات في مناجاتهم.
[سورة يس (٣٦): آية ٣١]
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١)
«الرؤية» هنا بمعنى «العلم» اى: ألم يعلموا كثرة إهلاكنا القرون، و يسمى أهل كل عصر «قرنا» لاقترانهم في الوجود- كذا في مجمع البيان- و الظاهر انه من باب حذف المضاف مثل: «و اسئل القرية» و نظائره، و الاسم بحاله في الاستعمال لقطعة من الزمان من غير وضع ثان.