تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٣ - قوله جل شأنه سورة يس(٣٦) آية ٤٧
في الاخرة و العمي و الحرمان في الحشر، و ذلك لان قوام النشأة الاخرة للإنسان و بقاء حقيقته و روحه بالاغذية العلمية العرفانية و الادوية الايمانية اليقينية، فمن لا معرفة له لا حيوة له في الاخرة، إذ الاخرة دار الحيوة العلمية، لقوله تعالى:
إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [٢٩/ ٦٤].
فبقدر نور المعرفة و اليقين و تذكّر أحوال المبدإ و المعاد يزداد قوة حيوة الإنسان في الاخرة، لقوله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ [٥٧/ ١٢] و من لا نور له لا عيش له في الاخرة لقوله تعالى: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [٢٠/ ١٢٤] و من لم يتذكر آيات اللّه أصلا و لم يتدبّر في أسرار الاخرة يكون يوم الاخرة أعمى لقوله تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا [١٧/ ٧٢] و لقوله تعالى: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى* قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [٢٠/ ١٢٤- ١٢٦].
و أي شقاوة أشد على الإنسان من أن يكون منسيّا، و النسيان من قبله يوجب العدم و الهلاك، لان صدور كل شيء منه انما يكون بعلمه، بل الصدور منه عين المعلومية و المذكورية عنده، كما أوضحه الحكماء في أنظارهم العلمية فافهم. ١٥
قوله جل شأنه: [سورة يس (٣٦): آية ٤٧]
وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)
إذا قيل للمشتغلين بالجمع و الادخار، الناسين للاخرة و الرجوع الى الواحد القهار- لانهماكهم في طلب اللذات و اقتناء الشهوات، و استغراقهم