تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤١ - سورة يس(٣٦) آية ٧٧
[سورة يس (٣٦): آية ٧٧]
أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)
لما أشار سبحانه الى مخاصمة أعداء الدين لسيد المرسلين و تكذيبهم إياه في ما أتى به من الآيات البيّنات، و ما أنذر به من امور الاخرة و القيامة و البعث و الحشر، و ذكر ما يتسلى به الرسول صلى اللّه عليه و آله، فأراد أن يشير الى تقبيح انكارهم للحق، و مخاصمتهم للرسول، و تكذيبهم للبعث بأبلغ وجه و أشنع صورة، و أول دليل على غيّهم و ضلالهم و تمادى كفرهم و إصرارهم، و أعدل شاهد على جحودهم للنعم و الأيادي، و عقوقهم بر المنعم عليهم و إحسانه و تغلغلهم في الخسة و الدنائة، و توغلهم في المذلة و الردائة، حيث قرر ذلك بأن عنصرهم الذي خلقهم منه أخس شيء و أمهنه، و هو النطفة القذرة المذرة المنتنة، الخارجة من الإحليل- الذي هو قناة النجاسة-.
و لقد كرر اللّه ذكر النطفة التي منها بدء خلقة الإنسان في مواضع كثيرة من القرآن، ليتفكر أنه من أي شيء خلقه اللّه، و لئلا ينسى ذاته و يغفل عن شكر منعمه و خالقه المعبود، الذي خلقه من اوهن مادة و أنجس طينة، و شرفه بكسوة هذا الوجود، و صوره في أحسن صورة و تقويم، فقال: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ* ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ* ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [٨٠/ ١٧- ٢٢] و قال في موضع آخر: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [٣٠/ ٢٠] و قال ايضا: أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [٧٥/ ٣٧] الى غير ذلك من الآيات.
فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس بمجرد سماع لفظها ترك التفكر