تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٧ - مكاشفة قلبية
مؤذية يتألم بها نفوس الأشقياء، و يتوحش منها كل من المشتغلين بها هاهنا، قائلا عند كشف الغطاء و رفع الحجاب و حلول العذاب: «يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ».
فبالحقيقة ما يكون في الاخرة سبب إيلام المعذبين و منشأ عقوبة الفاسقين هو معهم هاهنا و في اهابهم من العقائد الباطلة و النيّات الفاسدة و الاغراض النفسانية و الدواعي الحيوانية من حب المال و الجاه و الكبر و الفخر و الحسد و الرعونة و المكر و الحيلة و الرياء و طلب الشهرة و ميل الرياسة، و غير ذلك من الأمور التي تندرج الجميع تحت حب الدنيا التي هو رأس كل خطيئة.
و هو «التنّين» الذي يتولد منه للمحب للدنيا، المعرض عن طلب الاخرة تسع و تسعون حيّة، لكل حيّة تسعة و تسعون رأسا ينهشونه و يلحسونه و ينفخون في جسمه الى يوم القيامة، كما ورد في الحديث في باب عذاب الكافر في قبره [١] فهذا التنّين متمكن من صميم فؤاد الكفار و المنافقين، ينهشهم و يلحسهم لكن لا يدركون إيلام لدغه و لسعه و إيحاش هيئته و شكله لسكر نفوسهم بمسكرات الدنيا، و نوم غفلتهم بمرقدات الهوى، و اشتغالهم بمزخرفات هذه الأدنى.
و أهل الاخرة لصحة معرفتهم و قوة بصيرتهم يشاهدون إيلام هذه المشتهيات و يتقون سميّة هذه الحيّات، المكنونة تحت نقوشها المزخرفات، المستورة عن ادراك المكبين الى طلب اللذات، و تحصيل المألوفات الحسيات، المعرضين عما أعد اللّه لعباده الصالحين من ادراك الحقائق المعقولات، و المعارف الإلهيات مما لا عين رأت و لا اذن سمعت.
[١] - أمالي الطوسي (ره): ١٨ بحار الأنوار: ٦/ ٢١٩.