تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٩ - اشارة اخرى
- و هي الجدل و الشعر و المغالطة- فلا يفيد شيء منها اليقين و لا الظن الا في قسم من الجدل، و هو الذي يؤول اما الى البرهان أو الخطابة، و لهذا أضافه اللّه اليهما في قوله: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [١٦/ ١٢٥] و هي المجادلة التي ترجع الى أحدهما مع عموم اعتراف الخلائق فيه المعتبر في مطلقة.
و اما هاهنا لم يعدها من أقسام كتاب اللّه الذي فيه جوامع الكلم و اصول الحكم، لما عرفت من ان الفائدة فيها من حيث هي مجادلة ليست تكميل النفوس بانفرادها مع قطع النظر عن الهيئة المدنيّة الجمعية، و انما المقصود الاصلي من الانظار العلمية هو تكميل جواهر النفوس بحسب ذواتها و فيما بينها و بين اللّه مع قطع النظر عن النسب ٣٥ و الأوضاع المنقطعة آخر الامر، لقوله تعالى:
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ [٢٣/ ١٠١] و
في الحديث: «كل نسب منقطع إلا نسبي».
و أما الشعر: فلما عرفت من أن مداره على الأكاذيب و من ثمة قيل: «أحسن الشعر أكذبه».
و أما المغالطة: فالفائدة فيها تغليط الغير أو الاحتراز عن تغليطه، و مرتبة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ينافي الاول ٣٦ و يتعاظم عن الثاني، فيستحيل أن يكون النازل عليه شعرا أو مغالطة، فبقى أن يكون النازل من الأقسام الثلاثة الباقية، كما دل عليه قوله: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ الاية [١٦/ ١٢٥].
و أما الانحصار المستفاد من هذه الاية في الآيتين، فلما عرفت من رجوع الجدل بحسب الذات الى أحدهما، فلا منافات بين الاثنين، و الدليل على ان الجدل من حيث هو جدل ليس مما له دخل في حصول الهداية العلميّة و تكميل النفوس الآدمية- بل ليس الغرض فيها شيء الا غلبة الخصم و الظفر