تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٠ - سر آخر
و كفى في اثبات هذه الدعوى على المنكرين ما وقع في بعض خطب امام الأولياء و سيد الأوصياء أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله من الرب الأعلى من
قوله: «فملأهن أطوارا من ملائكته، فمنهم سجود لا يركعون و ركوع لا ينتصبون [و صافون لا يتزايلون] [١] و مسبّحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون و لا فترة الأبدان و لا غفلة النسيان»
[٢].
ثم ما الباعث لجحود أهل الحجاب الا ما شاهدوا من هذه الحيوانات العصبيّة اللحمية المأنوسة لهم من الكلاب و الذئاب أنها ليست الا ذوات رؤوس و أذناب، بل لم يتوهموا نفوسهم الا هياكل محسوسة متكثرة الأدوات مركّبة من القوى و الآلات، و لم يعلموا انها غير داخلة في مفهوم الحي الدراك فمنعوا من اطلاق الحياة على ما في الأفلاك، و لو تأملوا قليلا لعلموا أن نفوسهم التي بها أنانيتهم و منشأ جحودهم لهذا القول حية قائمة غير ذات رأس و ذنب و شهوة و غضب، فتعسا لجماعة جوّزوا الحياة و الإدراك لمثل البعوضة و النملة فما دونها و لم يسّوغوا للاجرام الشريفة الالهيّة و البدائع اللطيفة النورانيّة.
و قد عظم اللّه أمرها في كتابه الكريم، فكم من سورة يشتمل على تفخيم السماء و النجوم و خصوصا النيّرين و بعض السيّارات، و كم من آية تشتمل على القسم بها و بمواقعها، كقوله: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [٨٥/ ١] وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ* وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ* النَّجْمُ الثَّاقِبُ [٨٦/ ١] وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها* وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها [٩١/ ١] فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوارِ الْكُنَّسِ [٨١/ ١٥] وَ النَّجْمِ إِذا هَوى [٥٣/ ١]
[١] - الزيادة من نهج البلاغة.
[٢] نهج البلاغة: الخطبة الاولى.