تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٣ - مباحثة عقلية
لذاته و الملكوتيون لهم اقتدار على اختراع الصور من غير حاجة الى مادة و موضوع تصرفوا فيها كأرباب الصنايع في صنائعهم، و وجود المادة و عدمها مناط الفرق بين الصنع و الإبداع، فان الحاصل بالانشاء و الإبداع يكون صورة من غير مادة و موضوع، و الحاصل بالصنع و التكوين صورة في مادة أو مع مادة.
لكن النفس ما دامت متعلقة بهذا البدن الكثيف الظلماني، المركب من الاضداد لا يمكنها إنشاء الصور و الاشكال التي أرادت و شاءت الا ضعيفة الكون شبحية الوجود بمنزلة الطلل و الرسوم التي لا تترتب عليها الآثار المطلوبة، و لا تكون أيضا ثابتة باقية بل دائرة زائلة، لان مظهرها القوة الخيالية و هي دائمة التحلل و التجدد و الزوال، و الانتقال من حال الى حال حسب اختلاف أمزجة محلها، بسبب ما يرد على الروح البخاري من المشوشات و المغيرات الخارجة و الداخلة.
أولا ترى أن النفس كلما استراحت من الشواغل الضرورية و غير الضرورية و الحركات اللازمة لحفظ البدن، المجتمعة من الأمور المتضادة المتداعية الى الانفكاك، و تعطلت حواسها الظاهرة و احتبست عن استعمالها و الاشتغال بها- اما بالنوم او بتوجهها الى الجنبة العالية بقوة في ذاتها نظرية أو كسبية- اغتنمت الفرصة و رجعت الى ذاتها النورية الفياضة، فأصبحت مخترعة للصور مشاهدة إياها بحواسها التي لها في ذاتها بلا مشاركة البدن، فان للنفس في ذاتها بصرا و سمعا و ذوقا و شمّا و لمسا من دون حاجة لها الى البدن و قواه، بل هي أتم و أقوى و أصفى من هذه التي في البدن، بل هذه هي ظلال تلك و كما أن حواس البدن كلها ترجع الى حاسة واحدة هي «الحس المشترك» فجميع حواس النفس و قواها ترجع الى قوة واحدة و هي ذاتها النورية الفياضة