تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٦ - توضيح تنبيهى و تمثيل تفصيلي
و ذاته، و من كان ذا قدم راسخ في معرفة الباري و عبوديته فربما يغفل عما سوى اللّه و يجد ذاته كرشحة من بحر غير متناهي الفسحة أو لمعة من نور غير متناهي الشدة، و التجرد لذكر اللّه على الدوام في بداية السلوك يفضى بالسالك الى هذه الحالة، حتى أن لا يحضر في شعوره من المحسوسات و المعقولات سوى الحق الاول تعالى مجده، و لا يشعر بنفسه، و لا بعدم شعوره بنفسه، و لا يشعر بشعوره بالحق، بل يكون شاعرا بالحق فقط فان الشعور بالشعور بالحق حجاب و غفلة عن الحق، و ملاحظة الوصال فراق فالمعنى المتجرد لمعرفة الحق كيف يكون محتاجا الى البدن.
فعلم ان تعلقها بالبدن ليس تعلق الحال بالمحل، و ليس ايضا تعلقها به تعلق المحل بالحال و هو ظاهر، و لا ايضا تعلّقها به تعلّق العلة بالمعلول، و لا المعلول بالعلة- و الا لما وجد أحدهما بدون الاخر- و لا تعلق أحد المضافين الحقيقيّن بالآخر، لان لكل منهما ذاتا على حدة و المتضايفان ليسا كذلك- لما حقق في مقامه- و لا ايضا تحريكها للبدن كتحريك الدافع للشيء بالدفع، و لا تحريك الجاذب للشيء بالجذب، و لا تحريك الحامل كالسفينة للساكن فيها، و لا المركوب للراكب، و لا الحامل للشيء على عاتقه، لان النفس مجردة، و المجرد يستحيل عليه هذه الحالات الوضعية.
فهذا التعلق الذي للنفس بالبدن أمر مشكل لا يعلمه أحد الا بهداية اللّه و توفيقه، فأشار سبحانه اليه بقوله: «وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ- الى قوله- وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ».
و المثال الثاني مثال توقّد النار من الشجر الأخضر، و هو ايضا أمر عجيب أعجب من تعلّق النفس بالبدن مرة ثانية عند جمهور الأنام بل الخواص،