تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٧ - توضيح تنبيهى و تمثيل تفصيلي
للتضاد الواقع بين الماء و النار، فكيف يكون أحدهما سببا للاخر- و طبيعة السبب لا بد و أن يكون قريبة من طبيعة المسبب- و اليه الاشارة بقوله: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ».
فان قيل: ان توقّد النار من هذا الشجر ليس الا بعد السحق و الحركة الشديدة، و الحركة تحيل جوهر الماء الذي فيه الى الهواء، ثم الى النار، و ليس ان الشجر الرطب- بما هو رطب- يتولد منه النار.
قلنا: لا نسلم ذلك، فان تولد النار منه أمر محسوس، و انقلابه الى الهواء ثم الى النار غير معلوم، لا بد له من برهان و لا سبيل لنا اليه ثم هب انه كذلك فليس التعجّب من توليد الحركة- و هي أمر ضعيفة الوجود بالقوة، شبيهة بالعدم- الصورة الهوائية و النارية من الشجر الأخضر الذي يتقطّر منه الماء بأقل من توليد نفس الشجر لها.
و المثال الثالث خلق مجموع السموات و الأرض فان وجود الشيء المكاني عن غير المكاني و تحقق الزماني عن غير الزماني أعجب العجائب و اللّه سبحانه مما قد برهن على وجوده و على كونه خالق السموات و الأرض، و مكّون الكائنات من غير مكان، و موجد الزمانيات في غير زمان، فأبدع الكل بقدرته ابداعا و اخترعها على مشيّته اختراعا، فهو الاول بلا أوليّة، و المبدأ بلا ابتداء كما انه الاخر بلا آخرية و المنتهى بلا نهاية، و هو ايضا مع كل شيء لا بمقارنة و غير كل شيء لا بمزايلة، فأمثال هذه المتناقضات لفظا متفقات في حقه تعالى معنى، فجلال اللّه فوق الأوهام و العقول فضلا عن الازمنة و الامكنة.
فايجاده للسماء و الأرض و ما فيهما من عجائب المكّونات من البسائط و المركبات بمجرد ارادته و أمره بوجود كل منها من غير مادة سابقة أو حركة