تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٦ - كشف حال و تزييف مقال
القوافي، و هو قد يشتمل على الحكم و المواعظ، و قد يشتمل على المجازفات الخيالية.
و ثانيها: الكلام التخييلى المؤثر في النفس بسطا و قبضا، الموقع لها ترغيبا و تنفيرا و اقداما و احجاما، كما في قولك: «الخمر ياقوتة سيّالة» حيث يفيد النفس ترغيبا كاملا في الاقدام على شربها مع ظهور كذبه، و قولك: «العسل مرة مقيئة» ينفر الطبع عن تناوله، مع العلم بأنه كذب، تنفرا موجبا للاحجام عنه، فالمذموم هو الثاني لا الاول مطلقا بل القسم الثاني منه.
و على هذا يحمل ما
ورد في الاخبار من- النهي عن إنشاد الشعر في المساجد و في الصيام
- لا ما كان في مدح أهل بيت النبي عليه و عليهم السلام- و هو منشأ تهجين الشعراء في قوله تعالى: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [٢٦/ ٢٢٤- ٢٢٦] لان الغالب على أكثرهم إنشاء الجزافيات المضلّة و المخيلات الوهمية الكاذبة، و لهذا استثنى عن ذلك بقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا [٢٦/ ٢٢٧].
و الشعراء المؤمنين الذين يكثرون ذكر اللّه و أحوال الاخرة و الملكوت، و غالب أشعارهم في توحيد اللّه و الثناء عليه بما هو أهله و مستحقه و الحكمة و الموعظة الحسنة، و المدح لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و اولياء أهل بيته و أمته الصالحين، و ما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب و لا يمزجون بشانئة و عيب، و كان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم، كما قال اللّه تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [٤/ ١٤٨].
و حق القول (الكلام- ن) فيه ان الشعر باب من الكلام الحسن، فحسنه كحسن الكلام و قبحه كقبح الكلام و لقد كثر اللّه من الشعراء الذين كانوا من الفضلاء