تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢ - سورة يس(٣٦) آية ٧
الحقائق، و أكثر الناس غلبت عليهم الجسميّة و الكثافة و النفاق و الشيطنة، و كلاهما حجاب، الا أن الاول من باب النقص الواقع بسبب التجسم في أول الفطرة، و الثاني من باب المرض المزمن الطاري.
فإذا تقرر ذلك فاعلم أن القول قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [٣٢/ ١٣] و هو عبارة عن حكمه القضائي و تقديره الازلي بأن نظام هذا العالم و عمارته و قوامه و وجود العلماء المهتدين، و عبوديتهم لا ينتظم و لا يصلح الا بأن يكون في العالم نفوس غلاظ و قلوب قاسية، و شياطين انسية مكارة بحسب ما غلب عليهم من طاعة الشهوة و الغضب، و خدمة الهوى و التردي الى أسفل درك جحيم الدنيا وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [١١/ ١١٩] فيتوجّهون بتلك الدواعي و الاغراض الخسيسة الى عمارة الدنيا و السعي في طلبها و الإخلاد اليها و العمل لأجلها، من الزراعة و العمارة و إخراج القنوات و تحصيل المزروعات و صنعة المكاسب الدنيّة و الصنائع الكثيفة، كالحجامة و الكنس و الحياكة و غير ذلك، و سبيل عمارة الدنيا غير سبيل عمارة الاخرة من تلطيف السر بالتقوى و تنوير الروح بالعلم و الهدى، الا ترى الى قوله تعالى
في الحديث القدسي: «انى جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم»
و
في الحديث: «ان اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
و قد اوردنا هذه المعاني و الدلائل في تفسير سورة السجدة [١] عند قوله تعالى: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [٣٢/ ١٣].
و من تأمل في وضع الدنيا و أسبابها علم أن التعيّش لا يتصور الا بأن يكون أكثر الناس غليظة الطبائع، دنيّة الهمم، بعيدة عن تذكر الدار الاخرة و عالم
[١] تفسير سورة السجدة: ٩٣ من الطبعة الحديثة.