تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٥ - الاشارة الثالثة
على مراتبها، ثم ذا عقل مفارق على درجاتها في الصعود الى أن ينتهي الى الحق المعبود، فوقع الابتداء من العقل و الانتهاء الى العاقل، و بينهما امور متفاضلة.
اعلم انّا كما أفادنا النظر في الوجود اثبات فاعل له، كذلك أفادنا اثبات غاية له، فكما لا يجوز أن يكون الممكن موجودا الا بموجد يفيد وجوده لافتقار ماهيّته الى مرجح، كذلك لا يجوز أن يكون موجودا الا لغاية يتم بها وجوده لقصور وجوده عن درجة التمامية الاخيرة.
و كما ان سلسلة الأسباب الفاعلية لا بد و ان تنتهي الى فاعل لا فاعل له، و الا لم يكن شيء منها فاعلا و لا موجودا، لأنها على ذلك الفرض يكون الكل على حكم الوسط- و هذا خلف- فكذلك سلسلة الأسباب الغائيّة لا يجوز أن تذهب الى لا نهاية، بأن تكون لكل غاية غاية من غير انتهاء الى غاية أخيرة لا تكون لها غاية أصلا، و الا لم يكن لشيء من الأشياء غاية أصلا و هو خرق الفرض.
فثبت و تبيّن أن للممكنات كلها فاعل أول لا يكون له فاعل أصلا، و ثبت و تبيّن أيضا أن لها غاية أخيرة لا تكون لها غاية أصلا، ثم يجب أن تكون هذه الغاية هي بعينها ما فرضناه فاعلا، لاستحالة تعدد الواجب تعالى، لان كلا منهما موصوف بالمفارقة الكليّة عن وصف الإمكان و القصور، و المفارقة الكليّة تقتضي سلب الماهيّة، و يستحيل وجود شيئين كل منهما لا ماهيّة له، فاللّه هو الاول و الاخر، ليس كمثله شيء، منه ابتداء ملكوت كل شيء و أمره، و اليه يرجع كمال وجوده و غايته إذا بعثر ما في القبور و حصّل ما في الصدور، ألا الى اللّه تصير الأمور.