تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٦ - قوله جل شأنه سورة يس(٣٦) آية ٤٧
فإذا ثبت عندك ان الاعمال مؤثّرات في القلب، و القلب بحسب تأثيرها يستعد لقبول الهداية و يستنير بنور المعرفة، فإذا انكشف لديك هذا القول الكلي و القانون الاصلي الساري حكمه في جميع الأوامر و النواهي الشرعية و سائر التكاليف الدينية فاعلم ان الجواب عن قول الكفار: «لو شاء اللّه اطعام المساكين لاطعمهم» أن التكليف من اللّه شيء غير المشية، و تكليف اللّه عباده بشيء من الطاعات يضاهي اعلام الطبيب للمريض دواء خاصا يوجب استفراغا لمواده الفاسدة كالحجامة و غيرها مع استغنائه عن ذلك، فكذلك الباري يكلف عباده مع كونه غنيّا عن العالمين.
ثم ان نفس التكليف بتناول الدواء من الطبيب لا ينافي علمه بعدم تناول المريض له، فكذا تكليفه تعالى لا ينافي تحقق علمه الازلي و قضائه السابق بعدم قبول بعض العباد تكليفه لما في ذلك من المصلحة الكلية و الفائدة.
فان رجعوا و قالوا: «فما الفائدة في التكليف في حق من لا يقبل ذلك من الكفار و الفساق، حيث لم يتعلق المشيّة الازلية بقبولهم، بل تعلقت بعدم قبولهم»؟
قلنا: فائدته ١٧ يرجع الى من سواهم من المؤمنين المطيعين، الذين يؤثّر فيهم الدعوة و التكليف و الانذار و التخويف إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [٧٩/ ٤٥] كما ان فائدة نور الشمس تعود الى أصحاب العيون الصحيحة.
و أما فائدة ذلك بالنسبة الى من ختم اللّه على قلوبهم و على أبصارهم غشاوة فكفائدة نور الشمس بالنسبة الى الأكمه و الأعمش وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ [٩/ ١٢٥] غاية ذلك الزام الحجة و اقامة البيّنة عليهم ظاهرا لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [٤/ ١٦٥] وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ