تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١١ - حكاية
و أنظر كيف جعل أنورهما و أعظمهما آية النهار، و أصغرهما آية الليل، كما جعل العقل الأعظم آية نهار عالم الجبروت و القدرة و التأثير، و هي أوائل الوجود الفائضة بحسب الإبداع من الحق المعبود، و جعل النفس الكلية آية مساء عالم الملكوت و التأثر و القبول، و هي ثواني الوجود التالية عن العقول في قبول الرحمة و الجود.
فقوله: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ» اي: لا تدرك آية النهار آية الليل في وصف الحركة و الانتقال و التجدد من حال الى حال، لكون القمر أقرب الى عالم القوة و الانفعال و ضعف الأحوال و منبع الدثور و الزوال، و هي الهيولى الاولى الواقعة في مهوى جحيم النكال، و أسفل درك الخسة و الوبال بخلاف الشمس فإنها أقرب الى عالم الثبات و الدوام و الاتصال، و معدن الشرف و البقاء و الكمال، و أجدر بمجاورة القيوم المتعال، الغالب على أمره و القاهر على كل شيء بالقدرة و الجلال.
و قوله: «وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ» اي: لا يسبق آية الليل آية النهار في وصف النورية و الشروق و قّوة الوجود و الظهور، فان الشمس نيّرة لذاتها، قاهرة للغسق بحسب فطرتها و جوهرها، يطرد الوحشة و الظلمة عن هذا العالم كما يطرد ذات الباري تعالى العدم و الإمكان عن العالم الأعلى، و القمر يستعير النور من الشمس و يكتسب و يستوهب الضياء و الشروق عنها و بسببها، و كيف يسبق المستعير الكاسب المستفيض المستوهب لصفة كمالية على المبدإ الفياض الواهب المعطي إياها؟
و في هاتين الآيتين أسرار عظيمة لمن تأمل و تدبر في إبداعهما و تفكر في خلقهما و خلق عجائبهما و عجائب غيرهما من أنوار الكواكب و الأفلاك و ملكوت عالم السموات و الأرض، إذ في كل منها آثار عجيبة و أنظار دقيقة لمن