تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢ - قاعدة فرقانية فيها مكاشفة قرآنية الاشارة في تحقيق هذه الاية
مشكوة علوم الأنبياء عليهم السلام: «اعلم انك ستعارض بأقوالك و افعالك و افكارك، و ستظهر لك من كل حركة فكرية او قولية او عملية صور روحانية و جسمانية فان كانت الحركة غضبية شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك و يحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، و ان كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك، و تهتدى بنوره في أخراك الى جوار اللّه و كرامته»- انتهى-.
و هذا النور ما يشار اليه بقوله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ [٥٧/ ١٢] و أمثال هذا في كلام اللّه كثيرة كما سيلوح لك بفضله إن شاء اللّه.
فإذا تقرر هذا فقوله: «ما قَدَّمُوا» اشارة الى تلك الأحوال النفسانية، و الارتسامات المتتالية مرة بعد اخرى قبل رسوخ تلك الصفات و صيرورتها ملكة يعسر زوالها و قوله: «وَ آثارَهُمْ» اشارة الى الملكات الراسخة التي هي أثر حاصل بعد انقضائها و انقطاع الاعمال المستدعية لها.
ثم لما كان هذا العالم دار التغير و الزوال، و الواح النفوس المتعلقة به قابلة للمحو و الإثبات، يمكن فيها تبديل الصفات و الهيئات، و ازالة السيئات بالحسنات، و التوبة عن المعاصي قبل حصول الأخلاق و الملكات، و سد أبواب المغفرة عند استحكام الريون و الظلمات، و أما عند ظهور الاخرة فيستحكم الأخلاق بحيث يصير كل خلق ردى (صورة- ن) خلق آخر من الحيوانات، فيحشر الناس على حسب هيئاتهم كما ورد في الحديث، و هذا معنى قوله: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. الاية- [٩٩/ ٦- ٧]