تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٦ - سورة يس(٣٦) آية ١٦
معنى الانسانية النوعية الا ان بعضهم اختص بكرامة إلهية و عناية ربانية لأجل استحقاق خفي و عصمة باطنية لا يعلمه الا اللّه، فلا بد في العناية الازليّة من بعثه و إرساله، و هو مفاد قولهم رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ مثل قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [٦/ ١٢٤] و قوله: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [٢٢/ ٧٥] و قوله تعالى: اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ [٣/ ١٧٩].
الوجه الثاني، في حل شبهتهم و دفع حجتهم و هو أن أفراد الإنسان و ان كانت متماثلة في البشرية الا أنها متخالفة الحقيقة بحسب البواطن و الأرواح و نشو الاخرة من نفوسها- و قد مر تحقيق ذلك في تفسير سورة الم سجدة- و الآيات الدالة على أن أرواح الإنسان محشورة يوم القيامة على صور متخالفة في الحقيقة كثيرة.
و هذا مما يحتاج دركه بعد قيام البرهان العقلي و النقلي عليه الى صفاء في القلب و ذوق شديد و خوض عظيم في معرفة النفس و كيفية اتحادها بالمعقولات و تقلبها في الأطوار و النشآت، لينكشف ان افراد الإنسان و ان كانت متفقة في معنى نوعي هو معنى الحيوان المدرك للكلّيات بالقوّة، لكنها بعد صيرورة عقولها الهيولانية متحدة بما يخرج به من القوّة الى الفعل من الهيئات و الملكات تصير متخالفة الحقائق.
و النفس و ان كانت أمرا صوريا في عالم الحس و الشهادة، مقوما للنوع الخاص البشرى الذي اجتمعت فيه أنواع الصور الحسية الطبيعيّة و النباتيّة و الحيوانية، الا انها في أول الفطرة هي محض القوّة و الفاقة بالنسبة الى عالم الغيب و النشأة الاخرة نسبتها الى الصور الغيبيّة التي فيها نسبة الهيولي الاولى