تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٤ - حكمة قرآنية تتجلى بها عناية رحمانية
المغرقون في بحر اللذات، المحترقون بنار الشهوات، فلا صريخ لهم من أبناء عالم القدس و سكان الجبروت و لا هم ينقذون من قيود العالم الأدنى و منزل الابالسة و الشياطين، المردودين الى أسفل السافلين، يحطمهم نيران جهنم الاخرة التي قيل لها: هل امتلأت؟ فتقول هل من مزيد؟ و يعذبهم اللّه العذاب الأكبر بما لديهم من موذيات الأخلاق الردية و مؤلمات الملكات المردية.
و منهم المرحومون لسلامة فطرتهم و قصور معاصيهم و ضعف علائقهم الجسمانية، فهم من أهل الرحمة و الشفاعة، سواء صفت نفوسهم عن الأخلاق الردية و الأمراض النفسانية، او كانوا ممن خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا، و ذلك لضعف عوائقهم، و قلّة علائقهم، فنجوا عن العذاب المهين بشفاعة الشافعين.
و منهم المقربون من أهل الكمال العلمي، فلهم الحظ الأوفى و المنزلة العظمى سواء بقوا في الحساب مدة و تعوّقوا في بعض المنازل بسبب تقصيرهم في بعض الاعمال، أو بشؤم اقترانهم بجنس سوء من القوى المتأبيّة عن طاعة الروح في حق اللّه المتعصّية في الافعال.
فقوله: «إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ» اشارة الى القسم الاول يدل عليه مطابقة، و هم مثل الهالكين في البحر من التجار، و الخاسرين في سعيهم و تجارتهم فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ و هو ايضا اشارة الى القسم الثاني دال عليه التزاما، لان رفع المركّب من الشيئين قد يكون برفع أحد جزئيه، فتحقق عند هذا قسم آخر، و هو الذي لا صريخ له من معلم او مرشد يتعلم منه طريق الهداية و يسلك به سبيل النجاة، الا انه ينقذ و ينجو من الهلاك بمجرد سلامة ذاته عن الوزر و الوبال لقلة الأحمال و الأثقال، و هو بإزاء من ينجو من الغرق عند انكسار السفينة في البحر بيد صفر من رأس المال و الربح فيحتاج