تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠١ - الاشارة الرابعة
الاخرة بالقوة- سواء حصل لهم استعداد قريب كجملة المؤمنين المعتقدين باللّه و اليوم الاخر، الجازمين بصدق دعوى الرسول، المتابعين للائمة بعده- او لم يحصل، و لكن من شأنهم أن يحصل لهم الاعتقاد اليقيني، فهذا القدر من الايمان و الاعتقاد الجازم باليوم الاخر، الذي لجملة أهل الايمان يكفى للحث على العمل لأجل الاخرة و العبادة للّه، و صرف نعمه فيما خلقها لأجله، ليستعدوا بذلك لليقين، و هو المعنى بالحياة الاخروية بالفعل، لقوله: وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [١٥/ ٩٩].
و أما المدرك الثاني للمعرفة الموجب لبرد اليقين فهو اما الوحى للأنبياء او الإلهام للأولياء، و لا تظن ان معرفة النبي صلى اللّه عليه و آله لأمر المبدإ و المعاد او لأمور الدين تقليد لجبرئيل بالسماع منه، كما ان معرفتك تقليد له، حتى يكون معرفتك كمعرفته و انما يختلف المقلد فقط- هيهات- فان التقليد ليس بمعرفة، بل هو اعتقاد صحيح او فاسد، و الأنبياء عارفون باللّه و آياته، و معنى معرفتهم انهم كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها، فشاهدوها بالبصيرة الباطنية أوضح مما يشاهده الناس بالحواس، و ذلك بأن ينكشف لهم عن حقيقة الروح ٣٨ و هو سلم المعارف و انه من أمر اللّه، ليس المراد به معنى يقابل النهى و لا المراد به الشأن و الشيء- حتى يعم الموجودات كلها- بل العالم عالمان:
«عالم الامر» و «عالم الخلق» و للّه الامر و الخلق، فالأجسام ذوات المقادير و الكميّات من عالم الخلق، لأنه عبارة عن التقدير، و كل موجود منزه عن الكمية فهو من عالم الامر، و شرح معرفة الروح مما لا رخصة في ذكره ٣٩، لاستضرار أكثر الخلق بسماعه كاستضرار المزكوم بشم رائحة الورد، بل كاستضرار الجعل بشم رائحة المسك، لا كاستضرار عين الخفاش برؤية الشمس.
فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه، و إذا عرف نفسه عرف ما فوقه من