تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٩ - الأصل السادس
لو فرض أن يرتفع عن النفس الاشتغال بأفاعيل سائر القوى المحركة و المدركة، و تزول انفعالات الحواس الظاهرة عنها، و تكون قواها منحصرة في الخيال و التصوير، تكون الصور التي تتصورها حينئذ بقوتها الخيالية و تشاهدها بباصرتها الباطنية في غاية ما فيها من قوة الوجود و ترتب الأثر، و تكون هي أقوى خطرا عن هذه المحسوسات بكثير.
و كما تكون تلك القوة يومئذ قوة باصرة تكون هي بعينها قوة فعالة، فتصير قوة واحدة من النفس عند قيامها عن شوائب هذه الدار فاعلة و مدركة معا من غير تغاير- لا بالذات و لا بالاعتبار- فتكون مشاهدة النفس لتلك الصور عين قدرتها عليها، كما هو مذهب الإشراقيين في علم الواجب من أن علمه بالموجودات راجع الى بصره الذي هو عين قدرته عليها.
الأصل السادس
ان اللّه تعالى قد خلق النفس الانسانية بحيث يكون لها اقتدار على إنشاء الصور الباطنة عن الحواس، و كل صورة صادرة عن فاعلها بالذات فلها حصول له، كما ان لها حصولا لقابلها ان كانت مادية و ليس حصولها لفاعلها و قيامها به عبارة عن حلولها فيه و اتصافه بها، بل انما ذلك شأن حصول الصورة للقابل، لان القابل لنقصه الوجودي يستكمل بالصورة- جوهرية كانت او عرضية- و يتصف بها و ينفعل عنها، و أما الفاعل فهو لا يستكمل بمفعوله و لا يتصف به و لا ينفعل عنه، لأنه فياض يفضل عن وجوده وجود معلوله في مرتبة متأخرة.
فللنفس الانسانية في ذاتها عالم خاص بها من الجواهر و الاعراض المفارقة و المادية، و الأفلاك المتحركة و الساكنة، و العناصر و المركبات و سائر الخلائق الحاصلة عنها بقدرتها و اختراعها، و النفس تشاهدها بنفس حصولاتها لها لا بحصولات