تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٧ - الأصل الرابع
بالاتحاد معه كما يراه طائفة من العرفاء المحققون من الحكماء، كفر فوريوس مقدم المشّاءين، و صرح به أبو نصر الفارابي في كتبه، و اعترف به أبو علي بن سينا في كتابه المسمى بالمبدإ و المعاد و في موضع من إلهيات الشفاء ايضا، حيث قال: «ثم كذلك حتى تستوفى في نفسها هيئة الوجود كله، فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم المحسوس كله، مشاهدة لما هو الحسن المطلق و الخير المطلق، و الجمال المطلق و متحدة به و منتقشة بمثاله و هيئته، و منخرطة في سلكه و صائرة من جوهره» انتهى [١].
و من له قدم راسخ في تحقيق الحقائق المتعلقة بمعرفة النفس يعلم ان المدرك بجميع الإدراكات و الفاعل لجميع الأفاعيل الواقعة من الإنسان على سبيل المباشرة هو النفس الناطقة النازلة الى مرتبة الحواس و الآلات و الأعضاء، و الصاعدة الى مرتبة العقل الفعال في آن واحد، و ذلك لسعة دائرة وجودها و بسط جوهريتها و انتشار نورها في الاطراف و الأكناف للبدن، بل تطور ذاتها بالشؤون و الأطوار، و ظهورها في مظاهر الأعضاء و القوى و الأرواح، و تنزلها بمنزل الأجسام و الاشباح مع كونها من سنخ الأنوار و عالم الاسرار.
فمن هذا الأصل تبيّن و تحقق كون شيء واحد تارة مجردا و تارة ماديا، و ما اشتهر من متأخرى المشاءين ان شيئا واحدا لا يكون له الا أحد نحوي الوجود- الرابطى او الاستقلالى- غير بيّن و لا مبرهن عليه، بل الحق خلافه، نعم لو أريد منه أن الوجود الواحد من جهة واحدة لا يكون ناعتيا و غير ناعتي لكان صحيحا.
[١] - الشفا: المقالة التاسعة من الإلهيات، الفصل السابع: ٥٤٤.