تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٣ - بصيرة قلبية
بصيرة قلبية
ان قوله تعالى: «فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً» مما يشعر بانحصار تحقق الظلم و الشرفي هذه الدنيا الفانية، و أما الواصل الى الأشقياء من عذاب النار و شدائدها فإنما هي نتيجة أعمالهم في الدنيا و ظلمهم على نفوسهم فيها لقوله تعالى: وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [١٦/ ٣٣] اي بما سبق منهم في الدنيا و ليس يتصور ظلم مستأنف في الاخرة على أنفسهم و لا على غيرهم.
و السبب اللمي لاختصاص وقوع الظلم و الشرفي الدنيا دون الاخرة مع ان الاله و المؤثر فيهما جميعا واحد حق يفعل ما يشاء و يختار ما يريد من غير مدافع او مشارك- هو ما وقعت الاشارة اليه من أنها «دار الحركات و الاستعدادات» لأنها واقعة في آخر الدرجات من الوجود، في أسفل الدركات من مراتب الخير و الجود، و بعد مرتبتها في النزول و الخسة ليس الا العدم المحض و البطلان بل وجودها في مرتبة العدم.
الا أنها بحسب سنخها و جوهرها الهيولي مما لها قوة وجود أشياء كثيرة، و لها استعداد للصور الحسية و النفسية و الروحانية، بحسب امتزاجات وقعت بين عناصرها المتضادة التي كل منها لا يتحرك عن مواضعها الطبيعية الا بأسباب سماوية منبعثة لأغراض علوية، و مقاصد عقلية مترتبة على أشواقها الكلية و حركاتها الدورية حسب قضاء اللّه و مشيّة المقتضية نشو الكائنات من الحيوان و النبات بعناصرها المتضادة و موادها المتفاسدة.
ثم لما كان نوع الإنسان أشرف أنواع الحيوان، و كان له استعداد الارتقاء الى رتبة الشرف و الكمال، و احتمال البقاء و الدوام في نشأة اخرى هي نشأة التمام و يوم قيام الخلائق بين يدي الحق العلام، و لا يمكن استكماله الى هذه