تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩١ - سورة يس(٣٦) آية ٣٥
بعد معرفتها على التفصيل و الترتيب من العقول و ترتيبها، و النفوس الكلية و أغراضها و مراتبها، و الاجرام الفلكية و أشواقها و حركاتها، ثم الوسائط العنصرية بسائطها و مركباتها.
و هذه المعرفة وراء التوحيد و التقديس، إذ دخل التوحيد و التقديس فيها، لان المرتبة الاولى في معارف الايمان التقديس، ثم إذا عرف ذاتا مقدسة فيعرف أنه لا مقدس الا واحد، و ما عداه غير مقدس و هو التوحيد، ثم يعلم أن كل ما عداه في العالم فهو موجود من ذلك الواحد فقط، فالكل نعمة منه، فتقع هذه المرتبة في الرتبة الثالثة، إذ ينطوى فيها مع التقديس و التوحيد كمال القدرة المقتضى لان لا مؤثر في الوجود الا اللّه، فتمام المعرفة في الشكر ينفي الشرك ٩ في الافعال.
مثاله: ان من أنعم عليه ملك من الملوك بشيء، فان رأى المنعم عليه لوزيره او ساعيه دخلا في إيصاله اليه، فهو اشراك به في النعمة، فلا يرى النعمة منه مطلقا بل بوجه منه، و بوجه آخر من غيره، فيتوزع شكر فرحه و حاله عليهما، فلا يكون موحّدا في حق الملك، نعم لا ينقص عن توحيده في حقّه و كمال شكر نعمته أن يرى أنها وصلت بتوقيعه بالقلم على الكاغذ، و لا يشكرهما لعلمه بأنهما مسخران تحت قدرته، و كذا لو علم أن الوزير و الساعي الموصل و الخازن ايضا مضطرون من جهة الملك في الإيصال، لأنه إذا عرف ذلك كان نظره اليهم كنظره الى القلم و الكاغذ، فلا يورث ذلك شركا في توحيده في اضافة النعمة اليه، فكذلك من عرف اللّه و عرف أفعاله علم أن الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره، و كذا العقل و النفس- اللذان هما فوق هذه الأمور- مسخران بيد قدرته كالقلم و القرطاس في يد الكاتب، و كذا الحيوانات لها اختيارات، ١٠ في نفس اختيارها مسخرات له، فإذا عرفت الأمور هكذا فقد عرفت اللّه و عرفت فعله و نعمته عليك، و كنت موحدا و قدرت على شكره، بل كنت بهذه المعرفة بمجردها