تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٢ - سورة يس(٣٦) آية ٣٥
شاكرا للّه.
و مما يدل على أن أصل العلم بهذا الوجه شكر تام للّه، ما
ذكر أنه قال موسى عليه السلام في مناجاته: «الهى خلقت آدم بيدك و فعلت كذا و كذا، فكيف شكرك؟» فقال اللّه تعالى: «من علم أن ذلك منّي فكانت معرفته شكرا».
فاذن لا شكر الا بأن تعرف أن الكل منه، فان خالجك ريب في هذا لم تكن عارفا الا بالنعمة لا بالمنعم، فلا تفرح بالمنعم وحده بل بغيره، فبقدر نقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح، و بنقصان فرحك ينقص عملك، فهذا بيان هذا الأصل.
و اما بيان الامر الثاني: فهو الحال المستمدة من أصل المعرفة، و هو الفرح بالنعم مع هيئة الخضوع و التواضع، و هذا ايضا في نفسه مرتبة من الشكر، لأنه فعل منبئ عن تعظيم المنعم، و لكن انما يكون شكرا إذا كان حاويا شرطه، و شرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة و لا بالانعام، و هذا ايضا أمر عظيم، و أمارته أن لا يفرح من الدنيا الا بما هو مزرعة للاخرة، و يعين على طاعة اللّه و طلب التقرب اليه، و يحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر اللّه و تصده عن سبيله.
و لهذا قال الشبلي: «الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم»، و قال الخوّاص:
«شكر العامة على المطعم و الملبس و المشرب، و شكر الخاصّة على واردات القلوب».
و هذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت عنده اللذات في لذة البطن و الفرج و مدركات الحواس من الألوان و الطعوم و الروائح، و خلا عن لذة القلب لان القلب لا يلتذ في حال الصحة و السلامة الا بذكر اللّه و معرفته و لقائه، و انما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات و الانحراف عن الصراط المستقيم، كمن يلتذ بأكل الطين، لانحراف مزاجه عن نهج الاستقامة، و كمن يستبشع الحلاوات و يستحلى