تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٦ - بصيرة قلبية
عند القيام، و مجاهدة النفس عند إخراج الزكوات و تعب الاسفار عند قضاء الحج، و مشقة الأبدان عند المهاجرة و جراحتها بالسيف و السنان عند المجاهدة و محاربة أهل الكفر و العدوان، الى غير ذلك من آلام ترك اللذات و الراحات و شدائد اجتناب الشهوات و المحرمات.
و أما الرابع فهذا السلطان الجابر (الجائر- ن) المالك للرقاب قهرا و جورا، و المستعبد للعباد جبرا و كرها، فان قمنا بخدمته و واجب طاعته فما نقاسي من الجهد و البلوى أكثر من أن يحصى، من تعب الأجساد، و هموم النفوس، و عناء الأرواح، و تضييع العمر في خدمته، و سخط الباري يوم القيامة و عذاب الاخرة، و الحجاب عن اللّه في طاعته، و ان فررنا من سلطانه فلا عيش لنا الا نكدا، لافتقارنا في الدنيا الى التعاون و التمدن و السياسة و الرياسة- فهذه أربعة.
و أما الخامس فهو شدة الحاجة الى مواد خارجيّة و أغذية بدنية لا قوام لهذا الهيكل الا بها، من المأكول و المشروب و اللباس و المسكن، و المنكوح و المركوب، و ما لا بد منه في قوام هذه الحيوة الدنيا، و ما نقاسي من الجهد و البلوى في طلبها ليلا و نهارا في تعلّم الصنائع الشاقّة، و التجارات المتعبة و المكاسب المكدة من الحرث و الزرع و البيع و الشرى و المناقشة في الحسابات و المكايسة في المعاملات، و الحرص و الشره في جمع الأموال و حفظها من اللصوص و حراستها من الآفات العارضة، و مكابرة القطّاع و منازعة أهل الجور و الظلم- فهذه حالنا و أكثر أبناء جنسنا في هذه الدار.
و اما من يريد المقام في الدنيا و يتمنّى الخلود فيها مع هذه الآفات و الشدائد فهو اما غير مؤمن بالاخرة و لا مصدق بالمعاد و لا متصور للوجود الا هكذا، او يتوهم ان بعد الموت عدما صرفا أو شرا محضا، و على الحالين يئس