تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٥ - قوله جل شأنه سورة يس(٣٦) آية ٤٧
الأبد، و هي مما لا شعور بها لاكثر الخلق الا من ألهمه الله من الأنبياء و الأولياء و لكل مرض من أمراض القلوب دواء مخصوص، و له قدر معلوم عند اللّه، و الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدل ذلك على أن الدواء مراد لعينه و على ان له فضيلة في نفسه، بل المطلوب الاصلي هو الشفاء اللازم من تناول الدواء.
فهؤلاء الجهلة الناقصون لما ظنوا انهم استخدموا لأجل المساكين او لأجل اللّه، ثم قالوا: «لا حظّ لنا في المساكين و لا حظ للّه فينا و في أموالنا و سعينا و جهادنا مع الاعداء، أنفقنا او أمسكنا، بارزنا أم قعدنا» فقد هلكوا بهذه البضاعة من العقل و التمييز، و تمردوا عن طاعة الشريعة بهذه المرتبة الضعيفة من الفطانة، فضلّوا عن السبيل و انخرطوا في سلك الحمقى الأضاليل، و لم يعلموا أن المسكين الأخذ لما لك من المال- و هو المهلك لك في المآل- يزيل منك بواسطته مرض البخل المهلك، و يستخرج من قلبك حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة، و حب الدينار الذي اسّ. كل فاحشة، كالحجام يستخرج الدم منك ليخرج بخروج الدم العلة المهلكة من باطنك، فالحجام خادم لك جالب نفع اليك، لأنك تخدمه و تجلب نفعا اليه، و لا يخرج الحجام عن كونه خادما بأن يكون له غرض في أن يصبغ شيئا بالدم.
فهكذا الصدقات و انفاق المساكين بالمال و الطعام مطهرة للبواطن و مزكية للقلوب عن خبائث الملكات و أمراض الصفات المهلكات، و لهذه الدقيقة امتنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من أخذها و انتهى عن تناولها، كما نهى عن كسب الحجام، و سمى الصدقة «وسخ أبدان (أموال- ن) الناس» [١]، و شرّف أهل بيته عليهم السلام بالصيانة عنها.
[١] - المسند: ٣/ ٤٠٢ (او ساخ الناس).