تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٩ - مكاشفة اخرى في تصوير معنى هذه الاية و خروج الخلق سراعا من القبور الى الله و إسراعهم من الأجداث الى ربهم
ثم يتدرج في التوغل في نشأة اخرى من كونه صبيّا مميزا، ثم رجلا عاقلا، ثم صبورا شكورا، ثم حكيما وقورا و هكذا لا يزال في الإمعان الى تقوية الباطن و توهين الظاهر و التقرب الى عالم الغيب و الخروج عن عالم الشهادة يسيرا يسيرا، فيصير كهلا، ثم شيخا، ثم هرما مضمحلا، ثم فانيا، كل ذلك بحسب طبعه و جوهره- لا بأمر اتفاقي او عرضي أو قسرى-.
ثم إذا بطلت منه هذه الحيوة الدنياويّة بطلت صورة التأليف و حصل الافتراق و الانفصال.
ثم لا يبقى في هذا الانفصال ايضا، بل يمعن البدن في الانحلال و التوجه الى مركز الاتصال حتى ينتهي الى الارضية، ثم الى الهيوليّة و الجوهرية الصرفة و يمعن النفس إذا كانت على الاستقامة في أطوارها و أحوالها حتى تبلغ الغاية القصوى التي موطنها الاصلي، و ذلك لان كل متوجه و متحول من مرتبة الى مرتبة و من منزل الى منزل بحسب الطبع فله لا محالة حيث يرتحل و يبعد من مرتبة و يتوجه و يسلك الى مرتبة اخرى تكون غاية طبيعية ذاتية هي آخر ما يطمئن اليه و يسكن لديه و يتوطّن فيه، و لا بد ايضا أن تكون هي أصلح الحالات و أوفقها له في ذاته، و أنسب المراتب و الدرجات و أليقها لديه بجوهره، و ما ذلك الا ما يكون مبدأ ذاته و مقّوم وجوده.
فغاية ما يسافر اليه الشيء يجب أن يكون أول ما سافر منه، و هو الموطن الطبيعي و المعدن الاصلي- دون غيره من المراتب و الغايات الاضافية و الحدود التي في الاوساط لان كلا منها لو كان غاية حقيقية لما وقع التوجه منه الى غيره توجها طبيعيا ذاتيّا- و دأب الرحمة الالهيّة أن يمسك الشيء على أشرف الحالات التي تليق به، و أعلى المراتب التي تتصور في حقه من غير انتقال منه و ارتحال عنه.