تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٣ - الاشارة الثانية
الاشارة الثانية
الاشعار الى تقديس ذاته و تنزيه صفاته عن أن يكون افتقار الممكن اليه في الحدوث فقط من جهته لا في البقاء، كما ذهب اليه ايضا أوهام هؤلاء القاصرين من المتكلمين، لما رأوا ان الابن يبقى بعد الأب، و البناء يبقى بعد البنّاء، و السخونة يبقى بعد النار، و لم يتفطنوا أن هذه الأمور ليست عللا بالحقيقة، فوقعوا في الغلط بسبب «أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات».
و قد برهن في الحكمة الحقّة على أن جسما من الأجسام- و لا أحد جزئيه- لا يكون علة لجسم آخر و لا لاحد جزئيه، و على أن علة كل جسم لا يكون الا ما هو بريء عن مخالطة الأجسام و المواد.
و أما مثل البنّاء فحركته علة لحركة لبن ما، ثم سكونه علة لسكونه، و انتهاء تلك الحركة علة لاجتماع مادة، و ذلك الاجتماع علّة لشكل ما، ثم انحفاظ ذلك فلما تقتضيه طبيعة الارضية التي في اللبنات، و هي مما أفادها اللّه بقوّته التي تمسك السماء و الأرض أن تزولا، و من أسمائه تعالى «الحافظ» و «القابض».
و كذلك النار علة لتسخين عنصر ما، لا أن تفيد السخونة، بل أن تبطل البرودة التي كانت مانعة من حصول السخونة في الماء من جهة واهب الصور و أما حدوث السخونة و استحالة الماء الى النار فبالجاعل المفيد الذي يكسو العناصر صورها، و قد عرفت أنها لا يصح أن يكون جسما أو جسمانيا، و أما الأسباب السابقة فهي معدّات و مغيّرات و علل بالعرض.
و قد ثبت و تقرر ان العلة تجب أن تكون متقدمة على المعلول بالذات لا بالزمان، فكيف تكون نار علة لوجود نار اخرى، و لا نار أحق أن تكون علة