تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٥ - شك و تحقيق
كانت أفعال الملائكة باطنا كافعال الانس ظاهرا؟
فاعلم ان خلقة الملائكة تخالف خلقة الانس، ما من واحد الا و هو وحداني الصفة، ليس فيه خلط و تركيب، فلا يكون لكل واحد الا فعل واحد، و اليه اشارة بقوله: وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [٣٧/ ١٦٤] نعم ربما يصدر منه إذا كان علويا أفعال متعددة باستخدام وسائط مسخرة مقهورة له بجهات متعددة ترتقى الى جهة واحدة.
و تحقيق ذلك موكول الى علم آخر، به يعلم النظم و الترتيب بين ملائكة اللّه العلوية و السفلية، و لذلك ليس بينهم تنافس و تقابل و لا تفاخر، بل مثالهم في تعيين ماهية كل واحد و فعله مثال الحواس الخمس، فان البصر لا يزاحم السمع و لا يشاركه في ادراك الأصوات، و لا الشم يزاحمها، و لا هما ينازعان الشم، و ليس كاليد اللحمى و الرجل، فإنك قد تبطش بأصابع الرجل بطشا ضعيفا فتزاحم به اليد، و قد تضرب غيرك برأسك مكان اليد التي هي آلة الضرب، و لا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن و العجن و الخبز، فان هذا نوع من الاعوجاج و العدول عن العدل، سببه اختلاف صفة الإنسان و اختلاف دواعيه و تكثّر أغراضه فلما لم يكن وحداني الصفة لم يكن وحداني الفعل، و لذلك ترى الإنسان يطيع اللّه مرة و يعصيه اخرى لاختلاف دواعيه و صفاته الروحانية و الجسمانية و لو تفرد الإنسان بذاته و طبعه و لم يتغير عما فطره اللّه عليه لم يكن أفعاله الا على نظم حكمي و ترتيب طبيعي.
و ذلك الاختلاف غير ممكن في طبائع الملائكة، بل هم مجبولون على الطاعة، مفطورون على العبودية و الخدمة، لا مجال للمعصية في حقهم، فلا جرم لا يعصون اللّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل و النهار لا يفترون، و الراكع منهم راكع أبدا، و الساجد منهم ساجد أبدا، لا اختلاف في أفعالهم