تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٥ - مكاشفة قرآنية
فهو بالحقيقة مشرك عابد للصنم- سواء كان صنمه صورة موهومة أو شبحا محسوسا- و قد مر انه لا يعتقد من معتقد من المحجوبين الذين جعلوا الاله منحصرا في صورة معتقدهم فقط الا بما جعل في نفسه و تصوره بوهمه، فان الاله من حيث ذاته منزّه عن التعيّن و التقيد، و بحسب أسمائه و صفاته له ظهورات في صور مختلفة، فكل من أحب غير اللّه كحب اللّه، فلم يكن أهلا لمحبة اللّه مخلصا، بل طردته العزة و الغيرة الالهية الى محبة الأنداد و اتخاذ ما هو دون اللّه، سواء كانت الأهل و الأولاد و الأحجار و الأجساد.
و تحقيق ذلك ان كل محبة لشيء فهو عبودية له، و المحبة نوعان: محبة هي من صفات النفس الانسانية،- و هي من هوى النفس الامارة بالسوء- و محبة هي من صفات الحق- و هي محبة المعرفة و الحكمة- كما في قوله تعالى: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لا عرف» فكما أن محبوب الحق كونه معروفا، فمحبوب أهل اللّه كونهم عارفين له، كما أشار اليه قوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٥/ ٥٤] فمن و كل الى محبته النفسانية تعلقت محبته بما يلائم هوى النفس و شهواتها من الأصنام و غيرها-.
فكما ان الكفار بعضهم يحبون اللات و يعبدونها، و بعضهم يحبون العزى و يعبدونها، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال و يعبدونها، و بعضهم يحبون الأولاد و يعبدونها، كما قال تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [٢/ ١٦٥] و لقد حذر اللّه تعالى الخلق عن فتنة هذه الأشياء و أعلمهم عداوتها بقوله: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [٦٤/ ١٥] و بقوله: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [٦٤/ ١٤] يعني: فاحذروا عن محبتهم، لأنها عدو لكم يمنعكم عن محبة اللّه،- و هو الحبيب الحقيقي و المقصود الاصلي- و انهم العدو.