تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٦ - مكاشفة قرآنية
فمن أحب اللّه ينظر الى ما سواه من حيث هو ما سواه بنظر العداوة، كما كان حال الخليل عليه السلام فقال: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [٢٦/ ٧٧].
و من كان في الأزل أهلا لمحبة اللّه و عبوديته فما و كل الى المحبة النفسانية الشيطانية، بل جذبته العناية الازلية و نظمته في سلك الكناية من قول «يحبهم» فيتجلى لهم بصفة المحبة، فانعكست تلك المحبة لمرائى قلوبهم، فبتلك المحبة يحبونه، فلا تتعلق تلك المحبة بغير اللّه، لأنها فائضة من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة، كما قال تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [٢/ ١٦٥] و لو أحب غيره لأحبه من حيث كونه وليا له، نبيا مبعوثا من حضرته، أو كتابا نازلا من عنده، او أمة قانتا للّه.
و لان الاعداء- كأهل الدنيا- أحبوا الأنداد بمحبة فانية نفسانية، و الأحباء أحبوا اللّه بمحبة باقية أزلية، فلا محالة لما تقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب و رأوا مبادي العذاب، يتبرء أهل هذه المحبة الفانية بعضهم عن بعض، كما قال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ [٢/ ١٦٦] و يكون حاصل أمرهم الفرقة و العداوة و التبري، كقوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [٤٣/ ٣٨] و قوله:
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [٤٣/ ٦٧].
إذا تحققت ما ذكرناه و فهمت ما مهدناه فاعلم ان المراد من قوله: «و اتخذوا من دون اللّه آلهة لعلهم ينصرون» هو اتخاذ ما سوى اللّه للمحبة النفسانية التي ترجع الى عبادة الصور الوهمية، إذ من أحب غير اللّه فهو لا يزال يعبده و يخدمه و يتوصل اليه، و يتحرى الطريق الى وصلته، و التقرب منه و الاتحاد به، و يتصور أن الوصول اليه يستلزم النصرة له، و يدخل السرور في قلبه، و يوجب