تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٣ - سورة يس(٣٦) آية ٣٥
المرارات لمرض عرض له- فهذا بيان الامر الثاني.
و أما الامر الثالث فهو العمل بموجب العلم و الحال على وجه يؤدى الى الكمال من العلم، فالعلم هو الاول و هو الاخر، لان هذه الأمور الثلاثة متعاكسة في الوجود الحدوثي و البقائى، اى الابتدائى و الرجوعي، و ذلك لان العلم بالنعمة و الانعام و كونهما من المنعم، لو لم يكن أصلا لم يترتب عليه الفرح بالنعمة من حيث كونها من المنعم، و إذا لم يحصل الانتعاش و الفرح لم ينبعث منه العمل.
فإذا علمت هذا في الابتداء فأعلم عكسه في الرجوع، فأن فائدة العمل إصلاح القلب و صفائه عن المشوشات، و استقامته عن الانحراف عن جادة الحق و الصراط المستقيم، و توسّطه بين الاطراف الموجبة لهواها في أسفل درك الجحيم، و فائدة إصلاح القلب أن ينكشف له جلال اللّه في ذاته و صفاته و أفعاله.
فعلم من ذلك أن ضربا من العلوم بمنزلة عبيد و خدم يراد لأجل الاعمال و الأحوال، و هي العلوم العمليّة المتعلقة بكيفية الاعمال البدنية و القلبية، و ضربا منه بمنزلة الملوك و السلاطين، و هي المستخدمة منه لغيرها، فأرفع العلوم «علوم المكاشفة»، و هي معرفة اللّه سبحانه و الايمان به و بصفاته و أفعاله، و هي الغاية القصوى التي تطلب لذاتها و تنال بها السعادة العظمى، بل هي عين السعادة، و لكن قد لا يشعر القلب في الدنيا بأنها عين السعادة، و انما يشعر بها في الاخرة، فهي المعرفة الحرة التي لا قيد لها و لا يتقيّد بغيرها.
و هي مخدومة الجميع و غيرها عبيد و خدم لها، فإنها انما تراد لأجلها، و كان تفاوتها بحسب نفعها بالاضافة الى معرفة اللّه، فان بعض المسائل و المعارف