تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٤ - سورة يس(٣٦) آية ١٦
كلا الوجهين ضعيف كما لا يخفى.
و لا ايضا على الوجه الذي فهمه أتباع الاشاعرة من قولهم: ان للفاعل المختار أن يرجّح بعلمه و ارادته بعض الأمور المتماثلة من غير مرجّح، لان الالهية انما يتحقق بأن يفعل ما يشاء و يختار ما يريد- اى من غير مخصّص، قالوا:- كما أن شأن الارادة تخصيص أحد الطرفين المتساويين- كما في قدحي عطشان و طريقي هارب- فكذا شأنها تخصيص احدى المتساويين في الماهية و لوازمها من غير افتقار الى مرجّح وداع، و ذلك لان اثبات الفاعل المختار على هذا الوجه مفسوخ الأصل مبرهن الفساد- كما حقق في مظانّه- بل بأن يكون المراد منه ان اللّه تعالى بحسب عنايته الازليّة المتعلّقة بنظام هذا النوع الانساني و علمه الازلي بمصلحة الكائنات، يهدى من يشاء من عباده و يصطفى من الناس من يصلح للرسالة، لا لمجرّد اتّفاق او جزاف- تعالى عن ذلك علوا كبيرا- بل بحسب اختلاف الافراد في سبق الاستعداد و صلوح القوابل و المواد، و تفاوتهم في اللطافة و الكثافة، و صفاء القلب و نوريّة الفؤاد و قلة الحجب و كثرتها عن المبدإ الجواد.
فان الأرواح الانسيّة بحسب الفطرة الاولى و الثانية مختلفة في الصفاء و الكدورة، و القوة و الضعف مترتّبة في درجات القرب من اللّه، و كذا المواد السفليّة بإزائها متفاوتة تفاوتا نوعيّا او صنفيا او شخصيّا، و قد قدر بإزاء كل مادة ما يناسبها من الروح، فحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم و الأخلاق و الصفات و الكمالات، فأعظم السّعادات لاجود الاستعدادات و أكمل الكمالات لأشرف الأرواح و هي أرواح الأنبياء و الأولياء عليهم السلام في كل زمان بحسب أوضاع كل وقت، و أشرف أرواح الأنبياء روح خاتمهم و سيّدهم سيّد الكل في الكل صلّى اللّه عليه و آله و بعده طبقة اولياء أهل بيته