تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤١ - افتتاح كشفى
الرياسة على سائر الاقران، فرب انسان سهل عليه ترك لذة الاكل و المباشرة و جمع المال و اليسار، الا أنه لا يمكنه ترك العلو و الافتخار، و هو آخر درجات الدنيا الذي لا يمكن الوصول الى نعيم الاخرة الا بالتجاوز عنه، كما قال سبحانه: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [٢٨/ ٨٣].
و أما الثالثة: فكتسويلات النفس الامارة بالسوء و تزيينها الاعمال الغير الصالحة و ترويجها الكواسد و تحسينها القبائح و إبرازها الباطل في صورة الحق بسبب تخيلات فاسدة و توهمات باطلة توجب إعجاب المرء بنفسه، منشأها خبائث الباطن و دنائة الهمة و شيطنة الوهم، كما في قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [١٨/ ١٠٣].
و خصوصا ما يكون منشأها هذه العلوم الرسمية و الفنون المشهورة، و هي أغلظها حجابا، و أعسرها دفعا و أكثرها فسادا، و أقواها إعجابا للمرء بنفسه و اغترارا بحاله، فهي ما يقع لاكثر المتشبّهين بالعلماء الحقيقية من اغترارهم بظنونهم الفاسدة و أفكارهم الكاسدة، و ما سمعوا من ظواهر أحكام الشريعة و تلقّفوها من غير بصيرة و لا دراية، و ضمّوا اليها دعاوي باطلة و مقاصد شيطانية و لمقلديهم المشغوفين بما عندهم من سماع الحكايات و الأمثال الواردة، و اجابتهم دعوة المضلّين البطّالين، الفارغى الهمم عن مقاصد الدين، و متابعتهم استهواء الشياطين من الجن و الانس، و الاغترار بخدعهم و تلبيساتهم المضلة المهلكة و هم الذين حكى اللّه عنهم و عن تحسّرهم و ندامتهم في العاقبة بقوله: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [٤١/ ٢٩].