أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٩٦
الخامس: ما اشتهر من إنكار ابن مسعود كون الفاتحة و المعوذتين من القرآن مع ديانته، و اتفاق الصحابة على تعظيمه، و علوّ مرتبته، و بقى على ذلك مستمرا إلى زمان عثمان، و لم يبدّعه أحد من الصّحابة، و لا كفّره. و لو كانت متواترة لبدّعوه و كفّروه، و إذا لم تكن الفاتحة، و المعوّذتان من القرآن، مع شهرتها فما ظنّك بما سواها [١].
سلمنا أن القرآن و آحاد آياته منقول عنه بالتواتر و لكن يحتمل أنه كان يحفظه عن غيره. و سمعه منه، و لم يظهر عليه أحد/ سواه، و مع هذا الاحتمال؛ فلا يكون ظهوره على يده دلالة على صدقه [٢].
سلمنا أن الهيئة الاجتماعية لم توجد من غيره؛ و لكن لا نسلم أنّ آحاد الآيات و مفردات الكلمات التى منها تأليفه لم يصدر إلا عنه [٣] لجواز أن يكون مع طول مدته قد انتسخها من كتب المتقدمين و أساطير الأولين، و ما كان يسمعه من الفصحاء، و البلغاء فى زمانه من الألفاظ الرائقة، و الكلمات الجزلة. و ألّف بعضها إلى بعض و لهذا فإنه لما أملى قوله- تعالى:- فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا [١١]// الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال الكاتب: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [٤] فقال له النبي- صلى الله عليه و سلم- اكتب فهكذا انزل فارتدّ هذا الكاتب، و لم يكن ارتداده إلا لأنه خطر له هذا الاحتمال.
سلمنا أنه لم يظهر القرآن، و لا آحاد آياته إلا عنه- صلى الله عليه و سلم- و لكن لا نسلم إمكان الاستدلال به على صدقه [٥]؛ و ذلك لأنّ القرآن قد يطلق بمعنى المقروء.
و قد يطلق بمعنى القراءة. فإن كان المقروء و هو المعجز؛ فهو عندكم صفة قديمة قائمة
[١]
و للرد على هذه الشبهة قال الآمدي: «أنكر كون الفاتحة و المعوذتين أن تكون منزلة على
النبي- صلى اللّه عليه و سلم- أو أن حكمها ليس حكم القرآن؟ الأول: ممنوع، و الثانى:
مسلم، و لا يلزم من ذلك خروجها عن كونها متواترة، و أنها داخلة فى المعجزة».
[٢]
و قد رد الآمدي على هذه الشبهة فقال: «هذا ممتنع؛ لأن القرآن من أوله إلى آخره مشتمل
على ذكر وقائع، و أحوال جرت له، و لصحابته معه، و وقعت على وفق ما أخبر به: أما قبل
خبره، أو بعده». تابع بقية رد الآمدي على هذه الشبهة ل ١٦١/ أ و ما بعدها.
[٣]
و قد رد الآمدي على هذه الشبهة فيما يلى ل ١٦١/ ب.
[١١]//
أول ل ٨٣/ ب.
[٤]
سورة المؤمنون: ٢٣/ ١٤.
[٥]
و قد رد الآمدي على هذه الشبهة: «بأن المعجز ليس هو المقروء، و هو الصفة القديمة؛ بل
المعجز إنما هو العبارات الدالة على المعنى القديم» ل ١٦١/ ب، ١٦٢/ أ.