أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٠٦
سلمنا ظهور المعجزات على يده: و لكن لا نسلم التحدي [١]، و ما ذكرتموه من الآيات، فلا نسلم أنه قصد بها التّحدى؛ فإنّه يحتمل أنه قصد بذلك ما جرت العادة من البلغاء من الخطباء و الشعراء، من تعظيم أقوالهم، و تفخيمها، و التعلى، و الترفع بما يقولونه، و ينتحلونه، و مع قيام هذا الاحتمال؛ فقد انتفى القطع بالتّحدى.
سلمنا أنّه تحدّى. و لكنّه تحدّى بكل القرآن، أو بعضه.
إن قلتم إنه تحدى بكل القرآن لقوله- تعالى- قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [٢] [فلا حاجة فيه؛ لأنه خصّص التحدى باجتماع الإنس، و الجنّ. و اتخاذ بعضهم لبعض ظهيرا] [٣]. و يلزم من ذلك أن لا يتحقق وجه التّحدّى و التعجيز، إلا بتقدير اجتماع الثّقلين، و تماليهما على محاولة المعارضة؛ و لم يتحقق ذلك.
و إن قلتم: إنه تحدّى ببعض القرآن؛ فقد وقع الاتفاق على أنّ الإعجاز لا يقع بما دون الآية منه. و ما زاد على ذلك فالآيات فيه مختلفة.
فمنها ما يدل على التّحدّى بعشر سور.
و منها ما يدل على التّحدّى بسورة واحدة.
فإن قلتم: إن التّحدّى بسورة واحدة: فإمّا أن تكون معيّنة أو غير معيّنة. القول بالتّعيين غير معلوم من القرآن، و لا من غيره؛ بل هو ترك لظاهر لفظ السّورة.
كيف و أنه يلزم أن لا يكون باقى القرآن معجزا و لم تقولوا به.
و إن كانت غير معينة؛ بل التحدي بأىّ سورة كانت منه حتى أنه يدخل فيها سورة الكوثر. فكل عاقل يعلم علما ضروريا أن سورة الكوثر لم تبلغ مبلغا يتيقن فيه عجز بلغاء العرب عن الإتيان بمثلها، و على هذا التفصيل يكون الكلام فى العشر سور [٤].
[١]
و قد رد الآمدي على هذه الشبهة فقال: «شهرة تحديه معلوم بالضرورية فى الآيات المذكورة
مع دعوى الرسالة، و دعاء الناس إلى الإجابة و التصديق له فيما يدعيه حتى أن منهم من
سارع إلى تصديقه و الدخول فى ملته ... و لا كذلك ما ذكروه من أحوال المدعين، و من قصده
التعظيم، و الترفع بما أنشأه و أبدعه» (ل ١٦٤/ ب.
[٢]
سورة الإسراء: ١٧/ ٨٨.
[٣]
ساقط من (أ).
[٤]
و قد رد الآمدي على هذه الشبهة ل ١٦٤/ ب.
«نحن
ننزل الكلام على كل واحد من القسمين، فتارة نقول: إن التحدى بكل القرآن لا بمعنى أن
بعضه ليس متحدى به كما ذهب إليه المعتزلة؛ إذ هو من أعم الآيات الدالة على التحدى بعشر
سور، و بسورة واحدة؛ بل بمعنى أن التحدى وقع تارة بكل القرآن، و تارة ببعضه ... إلخ».