أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٠٨
المرض إلى الصحة، و بالعكس إلا أنه ربما لا يؤثر على أى انتقال قدر، و أى اختلاف اتفق، حتى يكون اختلاف خلق النفس تابعا لاختلاف مزاج البدن مهما كان و وقع؛ بل يكون ذلك متوقعا على حد محدود، و اختلاف معين فى المزاج البدنى عند الطبيعة على نحو ما قالوه فى كون الصور العنصرية، و فسادها عند استحالة عوارض موادها، و انتقالها من حالة إلى حالة، نعم لا يبعد أن تكون الطبيعة قد اقتضت وضع البدن، أو بعضه على مزاج مخصوص قابل للنفس من حيث هى نفس إنسانية، أو غيرها، و يكون اقتضى ذلك مع اقتضاء كون النفس، أو قبله حتى لو فسد، أو تغير عن ذلك الحد المحدود الّذي يتوقف عليه اتصال النفس بالبدن؛ لفارقت النفس البدن، و ما مثل هذا المزاج لا يتصور أن يخالف فيه بدن بدنا من الأبدان الإنسانية.
و أما ما وراء ذلك من الامتزاجات التى تتوقف عليها العوارض النفسية الخارجة عن جوهرية النفس فمما لا يبعد تبدلها، و القول بانتقالها من حال إلى حال، و من شأن إلى شأن.
و على هذا فما احتجوا به من أقوال أسلافهم من أن الأنواع المختلفة ذوات النفوس إنما اختلفت أمزجتها، و أشكالها؛ لاختلاف طبائعها فى أنفسها؛ فقول غير موثوق به، و لا هو حجة فى نفسه.
و بتقدير أن يكون حجة؛ فيجب حمله على الأمزجة التى بها قبول البدن للنفس من حيث هى نفس مخصوصة، إما نفس إنسان، أو فرس لا على غيرها من الأمزجة.
و أما قول أرسطو فى الحرية فليس بحجة.
و إن كان حجة؛ فلا يمتنع أن يكون المراد من قوله الحرية ملكة نفسانية، و من قوله إن الحرية طباع أول جوهرى- أن ذلك من توابع النفس مشروطا بمزاج البدن؛ و ذلك لا يلزم منه عموم الحرية لكل إنسان، و إن اتحدت طبيعة أنفسهم.
و أما الحجة على القول باتحاد نوع الأنفس الإنسانية، فمبنية على اشتراك الأنفس فى أصل القوة العملية و النظرية، و إنما يلزم؛ أن لو كان اشتراكها فى هذه القوى لذاتها.
و ما المانع أن يكون ذلك لها من فاعل مختار؟
و بتقدير أن تكون تلك القوى من لوازم ذاتها؛ فلا مانع من اشتراك المختلفات فى لازم عام لها.