أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٣٣٠
و الفائدة فى خلق الجنة و النار: إنما هو المجازاة بالثواب، و العقاب، و ذلك غير متحقق قبل يوم القيامة بإجماع المسلمين؛ فلا يكون خلق الجنة، و النار فى وقتنا هذا مفيدا؛ فكان ممتنعا عقلا.
و إن سلمنا الإمكان العقلى: غير أن ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مقتضاه، و بيانه من وجهين:
الأول: أن الجنة لو كانت موجودة؛ لكانت دائمة؛ لقوله- تعالى-: أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها [١] و دوام أكلها و ظلها، مع عدم دوامها؛ محال. و ليست دائمة بدليل قوله- تعالى-: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [٢] الآية دالة على فناء كل مخلوق؛ فيدخل فيه الجنة، و يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم؛ فدل على أنها غير مخلوقة الآن، و إنما تخلق بعد فناء كل مخلوق.
الثانى: قوله- تعالى-: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ [٣] و وجه الاحتجاج أن الآية دلت على أن أقطار السموات و الأرض، لا تسع الجنة الموعودة لمستحقى الثواب، و هو دليل ظاهر على عدمها، فى وقتنا هذا. و عند تعارض الأدلة، فليس العمل بالبعض، أولى من البعض؛ فيحتاجون إلى الترجيح.
و الجواب:
قولهم: إنّ ذلك غير ممكن عقلا:
قلنا: دليل الإمكان العقلى: أنّا لو فرضنا أنّ الله- تعالى- خلقهما فى الآن لم يعرض عنه المحال لذاته، و لا معنى للممكن العقلى إلا هذا:
و ما ذكروه فى تقريره: فمبنى على فاسد أصولهم فى رعاية الغرض، و الحكمة فى أفعال الله- تعالى- و قد أبطلناه [٤]، و بتقدير التسليم لوجوب رعاية الحكمة فى أفعاله لا يبعد أن يكون له فى ذلك حكمة قد أستأثر بعلمها وحده، و لا يخفى أنّ نفى ذلك مما لا سبيل إليه بطريق قطعى.
[١]
سورة الرعد ١٣/ ٣٥.
[٢]
سورة القصص ٢٨/ ٨٨.
[٣]
سورة آل عمران ٣/ ١٣٣.
[٤]
انظر فى الجزء الأول من أبكار الأفكار ل ١٨٦/ و ما بعدها.