أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٢٠
ذلك على طريق الاستعلام، و الاستفهام كقوله- تعالى-: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [١]؛ بل إنما ذكروا ذلك- و إن كانت صورته صورة استفهام- على طريق الإثبات؛ تصديقا لله- تعالى- فيما أخبرهم به. و ذلك أن الله- تعالى- أخبرهم بأنه يجعل فى الأرض من يفسد فيها، و يسفك الدماء، فقالوا تصديقا له- تعالى- أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ [٢]، و المراد به تجعل، و يجوز فى لغة العرب أن يطلق ما لفظه لفظ الاستفهام، و المراد به الإثبات. قال جرير:
أ لستم خير من ركب المطايا و أندى العالمين بطون راح
أى أنتم خير من ركب المطايا. و قد قال بعض أهل التفسير: إنما ذكروا ذلك على طريق التعجب عند أنفسهم من ذلك. و على كل تقدير فلا يكون ذلك منهم بطريق الإنكار.
و على هذا: فقد اندفع ما ذكرتموه من الوجه الثانى، و الثالث أيضا.
و قولكم فى الوجه الرابع: إنهم ذكروا ذلك على طريق الترفع، و التعجب؛ ليس كذلك.
بل إنما ذكروه على طريق الإخبار بالانقياد لله- تعالى و الطاعة، و التعظيم لشأنه، و التذلل بين يديه، كما فى قول الواحد منا لغيره إذ أراد التذلل بين يديه، أنا عبدك و خديمك و قائم بخدمتك.
و إن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على وقوع الذنوب من الملائكة؛ فهو معارض بما يدل على عدمه، و بيانه من وجهين:
الأول: قوله- تعالى- فى صفة الملائكة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [٣].
و من هذا صفته؛ لا يتصور صدور الذنب منه؛ لأنه فى حالة صدور الذنب منه؛ يستدعى الفتور فى التسبيح؛ و هو خلاف مدلول الآية.
[١]
سورة الأنبياء ٢١/ ٢٧.
[٢]
سورة البقرة ٢/ ٣٠.
[٣]
سورة الأنبياء ٢١/ ٢٠.