أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٤٣
و قوله [١١]// تعالى-: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ .... [١] الآية.
لا دلالة فيه على أن جبريل أفضل من محمد- صلى اللّه عليه و سلم- فإن غايته ذكر صفات لجبريل موجبة لفضيلته، و لا يلزم من ذلك الأفضلية إلا أن يكون كل ما وصف به محمد- صلى اللّه عليه و سلم- قد وصف به جبريل، و زيادة؛ و ليس كذلك.
و ما ذكروه فى تقريره فلا حجة فيه؛ لأنه لم يذكر وصف جبريل بما ذكر به، لقصد تفضيله على محمد، أو لأنه أفضل منه؛ بل إنما ذكر ذلك للرد على كفار مكة حيث أنهم كانوا يقولون إن محمدا مجنون، و أن ما يذكره من القرآن: إنما هو كلام الشيطان يلقيه على لسانه. فقال- تعالى-: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوارِ الْكُنَّسِ- أى الكواكب- وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ- أى أظلم- وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ- أى أضاء- إِنَّهُ- أى القرآن- لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ* مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، مبالغة فى أنه ليس بقول شيطان رجيم، وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [٢] كما زعمتم، و إنما وقعت المبالغة فى ذكر صفات جبريل دون صفات محمد- صلى اللّه عليه و سلم- لوجهين:
الأول: أنها لم تكن معلومة لهم بخلاف صفات محمد- صلى اللّه عليه و سلم- إذ أنها كانت معلومة لهم؛ لكونه- صلى اللّه عليه و سلم- بين أظهرهم، و هو بمرأى منهم.
الثانى: للمبالغة فى الميز بينه، و بين من نسب إليه إلقاء القرآن على لسان الرسول عليه- الصلاة و السلام- من الشياطين، لا لأجل أن جبريل عليه السلام أفضل.
و هذه المسألة: ظنية لا حظ للقطع فيها نفيا، و لا إثباتا، و مدارها على الأدلة السمعية، دون الأدلة العقلية، و قد أتينا فيها بمبلغ الجهد، و نهاية الوسع، مما لم يأت به غيرنا على وفق مذهب أصحابنا.
و لله الحمد و المنة
[١١]//
أول ل ١٠٨/ ب.
[١]
سورة التكوير ٨١/ ١٩.
[٢]
سورة التكوير ٨١/ ١٥- ٢٢.