أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٩٧
الحجة الثامنة عشرة:
ما روى الثقات من أهل التفسير كابن [١] عباس، و الحسن [٢]، و غيرهما أن النبي- صلى اللّه عليه و سلم- كان يصلى يوما بمكة بقوله- تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى* وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [٣]. فتمنى فى نفسه شيئا كما يتمنى الناس؛ فألقى الشيطان على لسانه «فإنهن عند الله من الغرانيق العلى و إن شفاعتهم لترتجى» و إن قريشا لما سمعت بذلك سرت به.
[١]
راجع ترجمته فى هامش ل ١٤٩/ ب.
[٢]
الحسن: هو الإمام الحسن بن يسار البصرى أبو سعيد: تابعى كان إمام أهل البصرة، و حبر
الأمة فى زمنه. و هو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. ولد بالمدينة المنورة
سنة ٢١ ه و شب فى كنف الإمام على بن أبى طالب- رضي اللّه عنه- ثم سكن البصرة و عظمت
هيبته فى القلوب؛ فكان يدخل على الولاة؛ فيأمرهم و ينهاهم.
و
كان أبوه من أهل ميسان، مولى لبعض الأنصار و لما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب
إليه: إنى قد ابتليت بهذا الأمر فانظر لى أعوانا يعينوننى عليه. فأجابه الحسن: أما
أبناء الدنيا فلا تريدهم و أما أبناء الآخرة فلا يريدونك، فاستعن بالله. توفى- رحمه
الله- بالبصرة سنة ١١٠ ه. [ميزان الاعتدال للذهبى ١/ ٢٥٤ و حلية الأولياء لأبى نعيم
٢/ ١٣١ و الأعلام للزركلى ٢/ ٢٢٦].
[٣]
ورد فى تفسير ابن عباس (رضي اللّه عنه) الّذي جمعه من كتب السنة الدكتور عبد العزيز
الحميدى- نشر مركز البحث العلمى و إحياء التراث الإسلامى- بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
٢/ ٨٤٢ و ما بعدها- ٢- ما جاء فى قوله تعالى-: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى*
وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى نقلا عن صحيح الإمام البخارى ٨/ ٤٧٨ كتاب التفسير-
باب أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى.
اللَّاتَ
وَ الْعُزَّى: كان اللات رجلا يلت سويق الحاج. و عن مجاهد قال: كانت اللات رجلا فى
الجاهلية على صخرة بالطائف، و كان له غنم؛ فكان يأخذ من لبنها و يأخذ من زبيب الطائف
و الأقط؛ فيجعل منه حبا و يطعم من يمر من الناس. فلما مات [صنعوا لها تمثالا] و عبدوه.
و قالوا: هو اللات- و كان يقرأ (اللات) مشددة. و هذا التفسير ظاهر على قراءة تشديد
التاء، و هى قراءة ابن عباس.
أما
على قراءة تخفيف التاء. و هى قراءة الجمهور فقال بعض المفسرين إن هذا الاسم مأخوذ من
اسم الله- تعالى- كما أن (العزى) من اسم الله (العزيز).
و
قد أرسل رسول الله- صلى اللّه عليه و سلم- المغيرة بن شعبه و أبا سفيان بن حرب بعد
ما أسلم أهل الطائف؛ فهدمها المغيرة بن شعبة (سيرة ابن هشام ٤/ ٢٤٤).
أما
العزّى: فإنها بيت مبنى على ثلاث شجرات من السمر فى وادى نخلة و كانت قريش تعبدها و
يفتخرون بها.
كما
جاء فى قول أبى سفيان يوم أحد: لنا العزى و لا عزى لكم (.
و
قد أرسل إليها رسول اللّه- صلى الله عليه و سلم- خالد بن الوليد عام الفتح فهدمها كما
أخرج النسائى و ابن مردويه عن ابن الطفيل قال: لما فتح رسول الله- صلى اللّه عليه و
سلم- مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة و كان بها العزى فأتاها خالد و كانت على ثلاث
سمرات فقطع السمرات و هدم البيت الّذي كان عليها. ثم أتى النبي- صلى اللّه عليه و سلم-
فأخبره؛ فقال ارجع فإنك لم تصنع شيئا؛ فرجع خالد؛ فلما أبصرته السدنة و هم حجبتها أمعنوا
فى الجبل و هم يقولون: يا عزى يا عزى؛ فأتاها خالد؛ فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها
تحفن التراب على رأسها؛ فعممها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه
و سلم فأخبره فقال: تلك العزى [الدر المنثور ٦/ ١٢٦].
أما
مناة: فهو صنم فى (قديد) موضع قرب مكة (معجم البلدان- مادة قدد).
أخرج
الطبرانى و ابن مردويه عن ابن عباس رضى الله عنهما: «أن العزى كانت ببطن نخلة و أن
اللات كانت بالطائف و أن مناة كانت بقديد» [مجمع الزوائد ٧/ ١١٥].