أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٤٨
فإن قيل: لو جوزنا تطرق النسيان إلى الأنبياء فى أقوالهم، و أفعالهم؛ لأفضى ذلك إلى اللبس فى مواقع الشرع، و تعيين الأحكام و هو مخل بمقصود البعثة و ذلك محال عقلا.
و إن سلمنا الجواز العقلى: غير أن ذلك ممتنع سمعا و يدل عليه قوله- عليه السلام- «أما أنى لا أنسى و لكنى أنسّى لأشرّع». و على هذا فيجب حمل النسيان فى قصة ذى اليدين على التشبيه بالناسى ليشرع.
و أما القصة الأخرى فلا نسلم أن المسموع كان صوت النبي- عليه السلام- بل المسموع كان صوت الشيطان مشبها بصوته إذ الإجماع منعقد على امتناع صدور كلمة الشرك من النبي- عليه السلام- و يدل على ذلك قوله تعالى وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [١] و معناه إذا تلى ألقى الشيطان فى تلاوته. و إن سلمنا أن المسموع كان صوت النبي- صلى اللّه عليه و سلم- لكن يجب حمله على التشبه بالناسى للتشريع.
و ما ذكرتموه من النصوص فيجب أيضا حملها على التشبه بالناسى لما ذكرناه من الخبر.
و إن سلم دلالتها على حقيقة النسيان. فلا نسلّم عمومها بالنسبة إلى النسيان فى المعاصى؛ بل هى مطلقة فى النسيان، و كما أمكن حملها على نسيان المعاصى، أمكن الحمل على النسيان فى المباحات، و ليس أحد الأمرين أولى من الآخر، بل الحمل على النسيان فى المباحات أولى؛ إذ لا محذور فيه.
قلنا: لا نسلم أنّ القول بتطرق النسيان إلى الأنبياء فيما يتعلق بالرسالة يفضى إلى اللّبس فى مواقع الشرع، فإنه و إن تصور منه فعل ما لا يجوز، أو ترك ما يجب ناسيا، فذلك مما يمكن استدراكه، و معرفة وقوعه سهوا؛ إذ هو غير واجب الدوام. و قرائن الأحوال مع صريح المقال مميزة بين البابين. و ما ذكروه من الحديث؛ فغير صحيح فى متنه و إلا كان النبي- صلى اللّه عليه و سلم- متعمدا ترك ما يجب و فعل ما يحرم تشبها بالناسى لقصد التشريع.
[١]
سورة الحج ٢٢/ ٥٢.