أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ٢٧٩
و إن كان إدراكها لآلتها لا بآلة: فليكن مثله فى غيرها؛ إذا القول بالفرق تحكم غير معقول.
الرابعة: أنها لو كانت مدركة بآلة جرمانيّة؛ للزم كلالها عند المواظبة على الإدراك كالحواس، فإن من واظب على إبصار شيء، أو سماع صوت كلت آلته، و التالى باطل فإن إدراك النفس يقوى بكثرة ما تدركه من المعقولات، و يستمر عليه [١].
الخامسة: أنها لو كانت مدركة بآلة جرمانيّة: لما أدركت الأخفى بعد إدراك، الأظهر؛ أو لقلّ إدراكها له كما فى الحواس، فإن من أدرك الأصوات الهائلة: كأصوات البوقات، و نقر الطبول؛ فإنه قد لا يدرك الهمس من الأصوات كإدراكه له قبل ذلك، و كذلك من أدرك ضوء الشمس قد لا يدرك بعده الأشياء الصغيرة كالذرة، و نحوها. و كمن أدرك الحرارة أو البرودة الشديدة فإنه لا يدرك ما هو أضعف منها بخلاف إدراك النفس.
السادسة: أنها لو كانت داركه بآلة جرمانيّة؛ لوقفت، و عجزت عند بلوغ الأربعين؛ إذ هى كحال النشوء كسائر أجزاء البدن بالحواس الظاهرة، و ليس كذلك.
السابعة: أنها لو كانت داركة بآلة جرمانيّة؛ لضعفت بضعف البدن و استضرت بضرر موضوعها بالآلام، و الأمراض، و ليس كذلك، فإن النظر، و الفكر مؤلم للدماغ، و مضر به، و مكمل للنفس.
الثامنة: أنّها لو كانت دراكة بآلة جرمانيّة؛ لأمكن أن يكون البعض من تلك الآلة مدركا للشيء، و البعض غير مدرك له؛ فيكون الشخص الواحد عالما بالشيء الواحد و جاهلا به فى حالة واحدة؛ و أنه محال.
التاسعة: أنه لو كانت دراكة بآلة جرمانيّة؛ لما كانت مدركة للمتضادات معا؛ لتوقف إدراكها على انطباع صورة الشيء المدرك فى آلتها، و انطباع صورتى المتضادين معا فى جزء واحد محال، كما فى الحواس الظاهرة و الباطنة؛ و لهذا فإنا لا نجد فى حواسنا إمكان إدراك كون الشيء الواحد أسود، أبيض، حارا، باردا معا، و لا كذلك عند كونها مدركة للمتضادات بغير آلة جرمانيّة؛ لأنّ إدراكها لا يكون على سبيل صورتى المتضادين
[١]
قارن ما ورد هنا بما أورده الإمام الغزالى فى تهافت الفلاسفة الدليل السابع على تجرد
النفس الناطقة ص ٢٢٦.