أبكار الأفكار في أصول الدين - الآمدي، سيف الدين - الصفحة ١٠٣
و أما القول بأن وجه الأعجاز فيه الصرفة [١] فهو أيضا باطل من أربعة أوجه:
الأول: أن إجماع المسلمين قبل وجود القائلين بهذه المقالة على أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه، فالقول بأنّه لا إعجاز فى القرآن؛ بل الإعجاز فى الصرفة، يكون خرقا لإجماع المسلمين قبل وجود المخالفين. و أنتم لا تقولون به.
فلئن قلتم: إجماع الأمة على كون القرآن معجزا: إنما كان باعتبار أنه يتعذر الإتيان بمثله، و كون الصّرفة معجزة باعتبار أنّها على خلاف العادة؛ فلا مناقضة بين كون القرآن معجزا، و كون الصرفة معجزة بالتفسيرين المذكورين. و يكون الدّال على صدق الرسول الصرفة دون القرآن.
فنقول: الإتيان بكلام القرآن: إما أن يكون معتادا، أو غير معتاد، فإن كان غير معتاد: فهو المعجز لا نفس الصرفة.
و إن كان معتادا: فيمتنع تسميته معجزا؛ بل المعجز ما هو خارق للعادة؛ و هو الصرفة عن المعتاد.
[١]
القول بالصرفة معناه أن الله صرف العرب عن معارضة القرآن مع قدرتهم عليها، فكان هذا
الصرف خارقا للعادة، و الصرف هو المعجز لا القرآن، و أول من ابتدع هذا القول النظام
قال الإمام الأشعرى فى مقالات الإسلاميين ١/ ٢٢٥. «قال النظام: الآية و الأعجوبة فى
القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأما التأليف و النظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه
العباد لو لا أن الله منعهم بمنع و عجز أحدثهما فيهم».
و
قال الإمام الشهرستانى: (عن النظام) التاسعة: قوله فى إعجاز القرآن إنه من حيث: الإخبار
عن الأمور الماضية و الآتية، و من جهة الدواعى عن المعارضة و منع العرب عن الاهتمام
به جبرا و تعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة و
فصاحة و نظما». (الملل و النحل ١/ ٥٦، ٥٧) .. و يقول الأديب مصطفى صادق الرافعى: «النظام
هو الّذي بالغ فى القول بالصرفة عرفت به و كان هذا الرجل من شياطين أهل الكلام ...
و القول بالصرفة هو المذهب الفاشى من لدن قال به النظام يصوبه فيه قوم، و يشايعه آخرون
.. و على الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ
يُؤْثَرُ سورة المدثر ٧٤/ ٢٤ و هذا زعم رده الله على أهله و أكذبهم فيه و جعل القول
به ضربا من العمى أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ فاعتبر ذلك بعضه ببعضه
فهو كالشيء الواحد» [إعجاز القرآن و البلاغة النبوية تأليف مصطفى صادق الرافعى الطبعة
الثامنة سنة ١٩٦٥ المكتبة التجارية الكبرى بمصر ص ١٦٢- ١٦٤ بتصرف].
و
قد رد الآمدي على القول بالصرفة و أبطله بأربعة أوجه كما تصدى أهل السنة للرد على القائلين
بالصرفة، و لمزيد من البحث و الدراسة بالإضافة إلى ما أورده الآمدي هاهنا. انظر: إعجاز
القرآن للباقلانى ت: السيد أحمد صقر- دار المعارف بمصر سنة ١٩٦٣ م خاصة ص ٢٩- ٣١ و
نهاية الأقدام للشهرستانى ص ٤٥٢ و ما بعدها. و أصول الدين للبغدادى ص ١٨٣، ١٨٤، و شرح
المواقف للجرجانى- الموقف السادس ص ٩٨- ١٠٨. تحقيق و نشر الدكتور أحمد المهدى. و شرح
المقاصد للتفتازانى ٣/ ٢٨٩ و ما بعدها.
و
من الكتب الحديثة: مناهل العرفان فى علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى ج
٢ ص ٣١٠ و ما بعدها ط: دار إحياء الكتب العربية- عيسى الحلبى و شركاه.